
سمير سكاف – كاتب وخبير في الشؤون الدولية
تهدد الخلافات الفرنسية الألمانية المستجدة الاتحاد الأوروبي ب “الشلل الاستراتيجي”! وإن كان من المستبعد أن تصل الأمور الى حد فرط عقد الاتحاد!
من يقود أوروبا اليوم؟ وبأي اتجاه؟ هل هي فرنسا أم ألمانيا؟ خاصةً بعد أن كانت هذه القيادة للمحور الفرنسي – الألماني “متحداً” في السراء والضراء؟!
في الواقع، تمر العلاقات الألمانية الفرنسية اليوم بمرحلة “أزمة ثقة” في قلب المحرك الأوروبي. على الرغم من أن العلاقة بين هذين البلدين هي العامود الفقري للاتحاد الأوروبي!
إلا أن الرؤى المتضاربة حول كيفية مواجهة تحديات 2026، خاصة منذ عودة الرئيس الأميركي دونالد ترامب الى البيت الأبيض بالإضافة الى ضغوط الرئيس بوتين على أوروبا في الحرب الروسية – الاوكرانية، أدت إلى شرخ واضح بين “محركَي الطائرة الأوروبية”!
إن أبرز ما يجمع فرنسا بألمانيا اليوم هو “المصيبة”! فبالإضافة الى “الكابوس الأميركي”، وليس “الحلم الأميركي”، تأتي المصيبة الجامعة في الأوضاع الاقتصادية المتدهورة في كل من ألمانيا وفرنسا… وحتى بريطانيا!
فقد وصلت ديون فرنسا الى حوالى 3.9 تريليون يورو وديون بريطانيا الى 4.1 تريليون يورو. أما ألمانيا فقد سجلت إفلاس 46.000 شركة في العامين الماضيين، بينها 471 شركة تفوق إيراداتها 10 مليون يورو في السنة!
إن هذه الوقائع والأرقام خطيرة جداً. وقد تكون دافعاً لتغييرات كبرى في التحولات الجيوسياسية… والتحالفات المستقبلية!
أبرز الصراعات في أوروبا
سيحاول الأوروبيون رأب الصدع فيما بينهم. ومع ذلك، من الهام الاشارة الى أبرز الصراعات الأوروبية، ومدى تهديدها للاتحاد. وهي التالية:
أولاً: الخلافات الألمانية – الفرنسية
تتمحور هذه الخلافات حول “كيفية تحقيق السيادة الأوروبية” في 4 نقاط أساسية. وهي:
1 – الإنفاق الدفاعي والديون المشتركة:
يطالب المستشار الألماني فريدريش ميرتز فرنسا بزيادة إنفاقها العسكري الفعلي بدلاً من “الخطابات الرنانة”.
وفي المقابل، ترفض برلين بشدة مقترح الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بإصدار “سندات أوروبية” (ديون مشتركة) لتمويل الدفاع، معتبرة أن كل دولة يجب أن تتحمل مسؤوليتها المالية الوطنية.
وذلك، بالإضافة الى عبء رفع تمويل حلف الأطلسي الذي فرضه الرئيس ترامب العام الماضي على الدول الأعضاء ليصل الى 5% من مجمل ناتجها المحلي!
2 – المظلة النووية والتبعية لأمريكا:
هناك جدل كبير حول مدى الاعتماد على أمريكا. فبينما يريد الرئيس ماكرون “استقلالاً استراتيجياً” كاملاً، يميل المستشار ميرتز إلى الحفاظ على علاقة قوية مع الناتو، رغم فتحه باب النقاش مؤخراً حول إمكانية استفادة ألمانيا من “المظلة النووية الفرنسية”.
ومع ذلك، كان المستشار ميرتز هو من نعى “السلام الأميركي” في أوروبا (Pax Americana) منذ فترة وجيزة!
3 – اتفاقية “ميركوسور” والتجارة:
تدعم ألمانيا بقوة توقيع اتفاقية تجارية مع دول أمريكا الجنوبية (ميركوسور) لدعم صادراتها الصناعية، بينما تعارضها فرنسا بشدة لحماية مزارعيها من المنافسة.
4 – مشروعات التصنيع العسكري:
تسود حالة من التوتر بشأن مشروع “طائرة المستقبل القتالية” (FCAS)، حيث تتبادل الشركات في البلدين الاتهامات بمحاولة الهيمنة على التكنولوجيا والوظائف.
ثانياً: الخلافات الأوروبية العامة
لا يقتصر الانقسام الأوروبي على باريس وبرلين؛ بل يمتد ليشمل محاور أخرى في نقاط ثلاث رئيسية. وهي:
1 – خلاف “أوروبا ذات السرعتين”:
تبرز فكرة تقودها فرنسا وألمانيا وبلجيكا لتشكيل “نواة صلبة” تمضي قدماً في التكامل العسكري والمالي، وتترك الدول المترددة (مثل المجر أو دول الشمال) في “حلقة خارجية”، مما يثير غضب الدول التي تخشى التهميش.
2 – أزمة مصادر الطاقة:
على الرغم من وجود تقارب مؤخراً حول “الحياد التكنولوجي”، لا يزال هناك انقسام بين معسكر تقوده فرنسا يدعم تعزيز اللجوء الى الطاقة النووية، ومعسكر آخر يركز حصراً على الاعتماد على مختلف مصادر الطاقة المتجددة.
3 – العلاقة مع واشنطن وبكين:
تنقسم أوروبا بين من يريد مواجهة سياسات الرئيس ترامب التجارية بـ “الحمائية الأوروبية” مثل فرنسا، وبين من يخشى استفزاز واشنطن ويفضل المفاوضات الهادئة كألمانيا وإيطاليا.
“أوربان” حصان طروادة، “وحتى أنتي يا ميلوني”!
يعتبر البعض رئيس حكومة المجر فيكتور أوربان حصان طروادة داخل الاتحاد الأوروبي! هذا الاتحاد الذي يحتاج الى إجماع في قراره لضم اوكرانيا إليه على سبيل المثال! ولكن أوربان الصديق المقرب لكل من الرئيسين ترامب وبوتين، يحول دون ذلك!
ويتعرض أوربان مع المجر لعقوبات اقتصادية من الاتحاد الأوروبي لرفضه دخول أي لاجىء أو مهاجر غير شرعي الى بلاده! وهو يرد أن المجر حافظت بذلك على أمنها الداخلي وعلى استقرارها بالمقارنة مع الدول الأوروبية الأخرى.
روبرت فيتسو، رئيس حكومة سلوفاكيا، يمارس ايضاً سياسات مشابهة لسياسات اوربان. وكذلك فإن الرئيس البلغاري رومان راديف هو اقرب الى موسكو منه الى”حلفائه” الأوروبيين!
قبرص، من جهتها، تُتهم أحياناً أنها “حصان طروادة مالي” لروسيا بسبب التدفقات المالية وتسهيلات المواطنة السابقة (الجوازات الذهبية)، مما يعقد جهود الاتحاد في تتبع الأموال الروسية وتطبيق العقوبات بصرامة.
صربيا، التي ليست عضواً في الاتحاد الأوروبي بعد، بقيادة ألكسندر فوسيتش، تُوصف غالباً أنها “حصان طروادة روسي وصيني” عند عتبة الاتحاد!
أما الأخطر على الصمود الأوروبي قد ياتي من رئيسة الحكومة الإيطالية جورجيا ميلوني مع “إجر لأدام وإجر لورا” (خطوة الى الإمام وخطوة الى الوراء)!
وعلى الرغم أن ميلوني فاجأت الجميع بدعمها القوي لأوكرانيا والناتو، إلا أن هناك مخاوف مستمرة من دورها كـ “حصان طروادة للرئيس ترامب”.
ويعود السبب الى ان ميلوني توازن بين كونها زعيمة أوروبية منضبطة وبين علاقتها الأيديولوجية القوية باليمين الأمريكي المحافظ.
ويخشى البعض في باريس وبرلين أن تكون ميلوني هي القناة التي يستخدمها الرئيس ترامب لتفتيت وتفكيك وحدة الموقف الأوروبي بشأن الرسوم الجمركية وقضايا المناخ وغيرها!
العجز “المستدام” بدل الانهيار… وأزمة هوية!
لا تزال المصالح الاقتصادية متجذرة جداً بحيث يصعب انهيار الاتحاد. كما أن التكلفة الاقتصادية للخروج (كما حدث في بريكست) تردع الجميع.
على العكس، وعلى الأرجح، فإنه يمكن لبريطانيا أن تحاول جدياً العودة عن البريكست بعدما وجدت أن ابتعادها عن الاتحاد الأوروبي لم يقدم لها خدمات أميركية أفضل!
وذلك، خاصة مع سياسات الرئيس الأميركي دونالد ترامب من ضرائب جمركية، الى غرينلاند وفنزويلا والشرق الأوسط ومصادر الطاقة والحرب الروسية – الأوكرانية…
ومع ذلك، إن خطر الشلل الأوروبي مرتفع جداً! فالتهديد الحقيقي هو ليس الانهيار، بل هو أن يصبح (أو ان يبقى) الاتحاد الأوروبي “كياناً عاجزاً” غير قادر على اتخاذ قرارات سريعة في مواجهة القوى العظمى (أمريكا، الصين، وروسيا).
يعيش الأوروبيون أزمة هوية! فالخلافات الحالية تضعف ثقة المواطن الأوروبي في قدرة بروكسل على حل مشاكل التضخم والأمن، مما يعزز صعود التيارات اليمينية المتطرفة التي تطالب باستعادة السيادات الوطنية خارج الاتحاد.
وهو ما يجعل الاتحاد الأوروبي اليوم يواجه “أزمة وجودية” ناتجة عن تغير النظام العالمي.
فإذا لم يتوصل المستشار ميرتز والرئيس ماكرون إلى “تسوية كبرى” تجمع بين الانضباط المالي الألماني والطموح الجيوسياسي الفرنسي، قد تجد أوروبا نفسها مجرد ساحة للصراعات الدولية بدلاً من أن تكون لاعباً فيها. وأبرز مثال على ذلك هو تهميش دورها في التوصل الى حلول للحرب الروسية – الاوكرانية، منذ قمة ألاسكا الأخيرة وحتى اليوم!
لا يهم اليوم من يقود أوروبا، أكانت فرنسا أو ألمانيا… فالأزمة التي تحتاج لحلٍ فوري تؤكد امراً واحداً “قاسياً”، بحسب الرأي العام الأوروبي، وهو أن قادة أوروبا “عميان يقودون عمياناً”!
إذ يدفع قادة أوروبا بقارتهم العجوز الى الهاوية يوماً بعد يوم! لا بل إنهم يتخلون عن مقود قيادة سياساتها الخارجية للأميركيين! ولا يبدو أن موعد خروجهم من الكوما قد حان بعد! والآتي على أوروبا قد يكون أعظم!



