
في خضم التنافس الخليجي المحتدم اقتصادياً، تكتب البحرين صعوداً هادئاً. من المتوقع أن ينمو الناتج المحلي الإجمالي للمملكة الصغيرة بنسبة 2.8% في عام 2025، بانخفاض طفيف عن 3% المقدرة لعام 2024. لكن الأرقام لا تروي القصة كاملة.
تحت السطح، يقود القطاع غير النفطي هذا التسارع بنمو متوقع يبلغ 3.1%، حيث شكل 86% من الناتج المحلي في 2024. يشير هذا التغيير، بالنسبة لدولة ارتبطت طويلاً بثروات النفط، إلى جهود تنويع بدأت تؤتي ثمارها. وقد لا تمتلك البحرين قوة النفط مثل جيرانها، لكن رهاناتها الذكية على الصناعة والاستثمار والابتكار قد تجعلها نموذجاً للدول الصغيرة التي تسعى لتتجاوز حجمها.
محرك غير نفطي
يتحدى مسار البحرين الاقتصادي الصورة النمطية لدول الخليج المعتمدة على النفط. مع تقلب أسعار الخام باستمرار، ركزت المملكة على القطاعات غير النفطية، وتظهر النتائج بوضوح.
في 2024 شكلت الأنشطة غير النفطية، من التصنيع إلى الخدمات المالية، العمود الفقري للناتج المحلي، وهي نسبة من المتوقع أن تظل قوية في 2025. نمو هذا القطاع المتوقع بنسبة 3.1% يتجاوز نمو الناتج الإجمالي، ما يشير إلى مرونة قد تحمي البحرين من صدمات الطاقة العالمية.
هذا ليس مجرد صدفة. فبعد عقود من الحديث عن التنويع، بدأت السياسات تتحول إلى مكاسب ملموسة، بدعم من حكومة لا تخشى استخدام السياسات والموارد. بنمو 2.8% في 2025، قد تتخلف البحرين عن الإمارات (3.5%) أو طموحات السعودية في رؤية 2030، لكن بالنسبة لدولة يبلغ سكانها 1.5 مليون نسمة فقط، فهذا أداء قوي. تثبت من خلاله البحرين أن الحجم ليس هو المحدد للمستقبل الاقتصادي.
في صلب استراتيجية البحرين، يأتي مشروع تحديث “بابكو” بقيمة 6 مليارات دولار، الذي يهدف إلى رفع إنتاجية التكرير إلى 400 ألف برميل يومياً. لكن الهدف ليس زيادة الاعتماد على النفط، بل تعظيم قيمته المضافة عبر إنتاج وقود عالي الجودة للتصدير، ما يدعم الإيرادات بالعملة الصعبة، بينما يتقدم القطاع غير النفطي.
حجم المشروع طموح، وكذلك توقيته. فمع استمرار الطلب العالمي على المنتجات المكررة رغم التحول الأخضر، تضع البحرين نفسها كلاعب متخصص في سوق تعتمد على الكفاءة أكثر من الحجم. وإذا نجحت، قد تصبح شركة بابكو ركيزة للاستقرار المالي في البحرين، ما يتيح موارد لمشاريع تنويع أكبر.
مناطق الفرص
خارج النفط، تنشئ البحرين أراضي اقتصادية جديدة. مثل مناطق صناعية حرة بالقرب من مطار البحرين الدولي، وهي خطوة مدروسة لجذب الصناعات. تستهدف هذه المناطق مشاريع الأغذية والأدوية والملابس، وتقدم إعفاءات ضريبية وقوانين ميسرة وقربها من المطار والموانئ. إنها استراتيجية مألوفة في الخليج -مثل جبل علي في دبي- لكنها مصممة لتناسب جغرافية البحرين الصغيرة وإمكانياتها.
المؤشرات الأولية تظهر نجاحاً. قطاع الأغذية قد يستفيد من الطلب الإقليمي، بينما تتماشى الأدوية مع التوجه العالمي للأمن الصحي بعد جائحة كوفيد-19. أما الملابس، فتقدم دخولاً سهلاً للتصنيع الخفيف، ما قد يوفر وظائف للشبان. وهذه المناطق لن تنافس مشاريع مثل نيوم السعودية، لكنها لا تحتاج إلى ذلك. فميزة البحرين في سرعتها وليس ضخامتها.
أرقام مساهمة القطاعات غير النفطية في الناتج المحلي الإجمالي للبحرين
المصدر: إرم بزنس
التذكرة الذهبية
ربما تكون الخطوة الأذكى هي “الرخصة الذهبية” التي أطلقت في 2023 لجذب الاستثمار الأجنبي المباشر. وهي مبادرة تستهدف الخدمات المالية والتصنيع والتكنولوجيا، وتقدم حوافز مثل ضرائب صفرية وتراخيص سريعة وأراض حكومية، في وقت يبحث فيه رأس المال العالمي عن خيارات بعناية. فالبحرين تطرح عرضاً بسيطا أمام رؤوس الأموال: مركز مستقر وصديق للأعمال مع تاريخ في البنوك ورغبة في التكنولوجيا.
الخدمات المالية تستند إلى سمعة البحرين كمركز مصرفي خليجي يضم أكثر من 400 مؤسسة مالية. أما التصنيع، فيرتبط بالمناطق الحرة، بينما تراهن التكنولوجيا على مشهد الشركات الناشئة المدعومة بالحكومة.
جذبت الرخصة الذهبية استثمارات بقيمة 2 مليار دولار بحلول منتصف 2024. إذا حقق 2025 هذا الوعد، قد يعزز الاستثمار الأجنبي القطاع غير النفطي، ويقلص عجز الموازنة الذي لا يزال نحو 5% من الناتج المحلي.
مخاطر في الميزان
صعود البحرين ليس خالياً من العقبات. مشروع بابكو، رغم وعوده، يواجه مخاطر التنفيذ، منها التأخير أو التكاليف الزائدة قد تثقل المالية العامة التي تعاني من دين يصل إلى 120% من الناتج المحلي. بينما تحتاج المناطق الحرة إلى مستأجرين في ظل منافسة عالمية شرسة على استقطاب مشاريع الصناعات. ونجاح الرخصة الذهبية يعتمد على تفوق البحرين على منافسين في الخليج مثل الإمارات، التي تمتلك موارد أكبر وجاذبية أقوى.
خارجياً، يهدد التباطؤ العالمي أو انخفاض أسعار النفط -رغم تراجع دوره- بإضعاف الثقة. حجم البحرين الصغير، وإن كان هذا ميزة للسياسات السريعة، لا يترك مجالاً كبيراً للخطأ. ومع وجود قوى إقليمية مثل السعودية، يجب على المملكة إيجاد مكانة خاصة، دون أن تطغى عليها.
نموذج للصغار؟
توقعات البحرين لعام 2025 ليست قصة نمو مذهل، بل تقدم ثابت واستراتيجي. بنسبة 2.8%، لن تسجل أرقاماً قياسية، لكن ارتفاع القطاع غير النفطي إلى 3.1% يعكس تحولاً أعمق، حيث التنويع ليس مجرد شعار بل خط حياة. فتحديث بابكو، والمناطق الحرة، والرخصة الذهبية هي أجزاء من لغز قد يجعل البحرين نموذجاً للاقتصادات الصغيرة التي تسعى للتجديد.
في خليج مفتون بالتفوق، من أطول الأبراج إلى أكبر الميزانيات، تقدم البحرين درساً مختلفاً: العملية قد تجلب مكاسب. في عام 2025، قد لا تتصدر هذه الجزيرة العناوين، لكنها قد تثبت أن البطيء والثابت قد يفوز في السباق الاقتصادي أحياناً.
ارم نيوز