
في قلب لبنان المنهار، حيث تهاوت الدولة وتراجع القانون وتحولت السياسة إلى سوق مصالح ضيقة، برزت الإعلامية باتريسيا سماحة لتؤكد أن الإعلام ليس شاشة عرض ولا مرآة مزيّنة، بل أداة مواجهة ومساءلة. خلال العام الماضي، شكّل برنامجها «السياسة والناس» على منصة Transparency مساحة نادرة في الإعلام اللبناني، قائمة على الجرأة، والمواجهة المباشرة، وطرح الأسئلة التي طالما هرب منها السياسيون.
لم يكن البرنامج سلسلة حوارات تقليدية، بل منصة محاسبة حقيقية. كل حلقة كانت اختبارًا علنيًا للمسؤولين، تُطرح فيها الأسئلة بلا مواربة، وتُفكك الخطابات السياسية أمام جمهور يعيش الانهيار يومًا بيوم.
الفراغ الرئاسي والسيادة
في إحدى أبرز الحلقات، ناقشت سماحة ملف الفراغ الرئاسي مع النائب غسان حاصباني، وطرحت أسئلة مباشرة:
من يتحمل مسؤولية التعطيل؟ هل تُقدَّم المصالح الحزبية على سيادة الدولة؟ وكيف يمكن استعادة ثقة شعب فقد الأمل بمؤسساته؟
الحلقة أثارت تفاعلًا واسعًا، وتداولت وسائل الإعلام ومواقع التواصل مقتطفات منها، مشيدة بأسلوب المواجهة وحدّة الطرح.
السلاح غير الشرعي والدولة
في حلقات أخرى، انتقلت سماحة إلى ملف السلاح خارج إطار الدولة، وسألت بوضوح:
هل يمكن بناء دولة بوجود ميليشيات مسلحة؟ من يحمي هذا الواقع؟ وهل فشل الدولة ناتج عن عجز أم تواطؤ؟
لم تترك مساحة للتهرب، وضغطت على كل إجابة، كاشفة التناقضات والمصالح التي تُقوّض مفهوم الدولة.
الانهيار الاقتصادي والهجرة
ربطت سماحة السياسة بالواقع اليومي، وسألت عن الهجرة، البطالة، والفساد:
كم شابًا يغادر لبنان شهريًا؟ هل هناك خطة إنقاذ فعلية أم مجرد شعارات؟ ولماذا يدفع المواطن وحده ثمن الفشل؟
جاءت الإجابات محدودة، وكشفت حجم الهوة بين الخطاب الرسمي وواقع الناس.
مستقبل الدولة
في حلقات جمعت خبراء اقتصاديين وسياسيين، طُرحت أسئلة مصيرية:
هل ما زالت الدولة قابلة للإنقاذ؟ ما ثمن الصمت الداخلي والدولي؟ وهل الوقت ما زال يسمح بتدارك الانهيار؟
أزمة الشباب
إحدى أكثر الحلقات تأثيرًا كانت مع شباب لبنانيين غادروا البلاد. تحوّلت معاناتهم إلى شهادة حيّة على فشل السياسات العامة، وواجهت سماحة المسؤولين بالسؤال الأوضح: ماذا فعلتم لمنع نزيف الهجرة؟
إعلام المواجهة
برنامج «السياسة والناس» أعاد تعريف دور الإعلام السياسي في لبنان:
من ناقل للمواقف إلى سلطة مساءلة
من شاهد على الانهيار إلى فاعل في مواجهته
من حوار تقليدي إلى مساحة ضغط حقيقية
باتريسيا سماحة لم تسعَ إلى الإثارة، بل إلى كشف الحقيقة بلا رتوش. مقاطع البرنامج تحولت إلى مادة نقاش عامة، وأداة ضغط، ومرجع سياسي، في وقت تراجع فيه الإعلام عن دوره الرقابي.
الكلمة التي لا تهادن
ما قدّمته سماحة ليس مجرد تجربة إعلامية، بل نموذج لإعلام يرفض المساومة، ويضع المصلحة الوطنية فوق كل اعتبار. في زمن الخوف اختارت المواجهة، وفي زمن الانحدار اختارت الحقيقة.
برنامج «السياسة والناس» بات جزءًا من ذاكرة المواجهة الإعلامية في لبنان، شاهدًا على مرحلة، ومرآة لفشل سياسي، وصوتًا حاول أن يعيد للإعلام دوره الطبيعي: مساءلة السلطة باسم الناس.



