لبنان في مواجهة آفة التدخين: أرقام صادمة وقانون غائب!

في كل عام، في 31 أيار، يحيي العالم “اليوم العالمي للامتناع عن التبغ”، الذي أقرّته منظمة الصحة العالمية منذ عام 1987 لتسليط الضوء على مخاطر التدخين، والدعوة إلى سياسات فعّالة تقلل من استهلاك منتجات التبغ. لكن بينما تحقق دول عديدة تقدمًا في مكافحة هذه الآفة، لا يزال لبنان يعاني من تفشي التدخين بين مختلف الفئات العمرية، في ظلّ غياب تطبيق فعّال للقوانين واستفحال الثقافة المجتمعية التي تُشرّع التبغ وتُطبع أضراره.

لبنان في المراتب الأولى عالميًا: نصف السكان مدخنون
بحسب دراسة صدرت عام 2023 عن مركز “نومبيو” وموقع “worldpopulationreview”، يحتل لبنان المرتبة السادسة عالميًا والأولى عربيًا في نسبة المدخنين بالنسبة إلى عدد السكان. تشير التقديرات إلى أن 42.6% من اللبنانيين يدخنون، ما يعادل أكثر من 2.1 مليون شخص من أصل عدد سكان يُقارب 5.2 مليون.

تُظهر الأرقام أيضًا أن التدخين في لبنان لا يقتصر على فئة عمرية أو اجتماعية واحدة، بل ينتشر في صفوف الرجال (49.4%) والنساء (35.9%) على حد سواء، وحتى بين المراهقين، حيث أظهرت دراسات سابقة لمنظمة الصحة العالمية أن نسبة من التلامذة الذين تتراوح أعمارهم بين 13 و15 عامًا يدخنون السجائر أو الأرجيلة.

أسباب اجتماعية واقتصادية… وأرجيلة على الرصيف
لا يمكن فصل أزمة التدخين في لبنان عن الواقع الاجتماعي والثقافي. فالسجائر والنرجيلة جزء من الحياة اليومية، من المقاهي إلى المنازل، بل حتى أمام المدارس والجامعات. تدخين الأرجيلة بشكل خاص يُنظر إليه على أنه عادة اجتماعية لا تنتمي إلى خانة الإدمان، رغم ما تُظهره الدراسات من خطورة تفوق في بعض الحالات تدخين السجائر.

ولعلّ انخفاض أسعار السجائر نسبيًا، وغياب الضرائب الرادعة، وفوضى السوق، كلها عوامل أسهمت في ترسيخ هذا المشهد. فرغم الأزمة الاقتصادية التي ضربت البلاد منذ عام 2019، ظلّ التبغ من السلع “المدعومة” بشكل غير مباشر، إذ لم تلجأ الدولة إلى فرض ضرائب نوعية عليه كما فعلت في قطاعات أخرى.

الأثمان الباهظة: 9200 وفاة سنويًا وكلفة بمئات ملايين الدولارات

بحسب وزارة الصحة اللبنانية، يُسجّل لبنان أكثر من 9200 وفاة سنويًا بسبب أمراض مرتبطة مباشرة بالتدخين، أي ما يزيد عن ربع الوفيات السنوية. وتشمل هذه الأمراض سرطان الرئة، وأمراض القلب، والجلطات الدماغية، ومشكلات الجهاز التنفسي المزمنة.

أما اقتصاديًا، فتشير تقديرات “المرصد اللبناني لحقوق الصحة” إلى أن التدخين يكلّف الدولة نحو 140 مليون دولار سنويًا، ما يُعادل حوالي 1.9% من الناتج المحلي الإجمالي، من حيث كلفة الرعاية الصحية وخسائر الإنتاجية وغياب التشريعات الوقائية.

جهود خجولة ومبادرات متقطعة
رغم الواقع القاتم، لا تغيب بعض المبادرات. فقد أطلقت وزارة الصحة في الأعوام الأخيرة حملات توعية، أبرزها حملة “علقتها علقة” بالتعاون مع منظمة الصحة العالمية، لتشجيع الإقلاع عن التدخين. كما عملت على تحويل عدد من المستشفيات والمراكز الصحية إلى “بيئات خالية من التدخين”.

وفي عام 2024، أطلقت الحكومة مبادرة بالتعاون مع الوزارات والمؤسسات العامة لتطبيق القرار بمنع التدخين داخل الإدارات الرسمية، إلا أن المردود ظلّ محدودًا بسبب نقص التمويل والموارد البشرية، وتفكك أجهزة الرقابة.

ما العمل؟ بين الضرائب والردع والبدائل
ثمة إجماع بين خبراء الصحة العامة على أن مكافحة التدخين في لبنان يجب أن تبدأ بـ:

رفع الضرائب على منتجات التبغ تدريجيًا لتوازي المعايير الدولية.

تشديد العقوبات على الأماكن التي تسمح بالتدخين في الأماكن المغلقة.

منع بيع التبغ للقاصرين وتطبيق الرقابة بصرامة.

تمويل برامج الإقلاع عن التدخين وتوفيرها مجانًا في المراكز الصحية.

توعية إعلامية شاملة تشارك فيها المدارس، الإعلام، الجمعيات، والبلديات.

خاتمة: لا رفاهية في مكافحة التبغ
في بلد يُصارع أزمات متتالية، قد يبدو ملف مكافحة التدخين “ترفًا صحيًا”، لكن الواقع أن هذا الملف يشكّل نقطة التقاء بين الصحة العامة والاستقرار الاقتصادي والعدالة الاجتماعية. فالتدخين لا يُرهق فقط المدخن، بل يُرهق الدولة، والمجتمع، والنظام الصحي برمّته.

اليوم، أكثر من أي وقت مضى، يحتاج لبنان إلى إرادة سياسية واضحة لتطبيق القوانين القائمة، وإلى جرأة في مواجهة لوبيات التبغ والمصالح المرتبطة بها. فالتأخير في المواجهة يعني ببساطة استمرار نزف الأرواح… والدخان.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى