تدني التحصيل الدراسي للطلبة الصم.. صراخ لا “يسمع”

 

 محمود الشبول -عمان

“الكتب كثيرة والمعلومات صعبة.. أحيانًا ندرس الجزء الذي نفهمه والباقي نطنّشه”.. بهذه الكلمات المترجمة من لغة الإشارة، اختصر الطالب وليد زريق (أحد طلبة مدارس الأمل للصم) معاناته في دراسة المناهج الدراسية وفهمها، حاله حال العشرات من طلبة ذوي الإعاقة السمعية في المدارس الحكومية.


وثمة فجوة كبيرة بين السياسات والتطبيق، تبدأ من غياب منهجية واضحة لتدريب المعلمين وتأهيلهم تخلق أزمة حقيقية في تمكين الطلبة الصم من الحصول على حقهم بالتعليم الذي يمكّنهم من اجتياز المراحل التعليمية بنجاح، ما يدفع أولياء الأمور للتساؤل: ما الذي يمنع وصول التعليم إلى الطلبة الصم؟


ويؤكد قانون حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة رقم (20) لسنة 2017 حق الطلبة ذوي الإعاقة في التعليم، وفق المادة “19” التي تقول إن “على المجلس الأعلى بالتنسيق مع وِزارة التربية والتعليم، وضع المعايير الخاصة بالتشخيص التربوي ومعايير تطوير المناهج، وطرق تدريسها للطلبة ذوي الإعاقة في المؤسسات التعليمية، وتدريب الكوادر عليها وتأهيلهم.


غير أن الواقع يؤكد أمرا آخر، حيث تجد أمل النابلسي، مثلا، وهي أم لثلاثة طلاب صم، صعوبة في شرح المواد لأبنائها، فتضطر لحضور الدروس معهم داخل المدرسة لتتمكن من تدريس أبنائها، مشيرة إلى تقديم الأهالي شكاوى لوزارة التربية والتعليم عن هذا الأمر لكن دون جدوى.
أما الطالب حسين الحلو، الذي تمكن من اجتياز الثانوية العامة بعد عامين من الدراسة فيلخص الحال بقوله: “الكتاب صعب، وكمان المعلم ضعيف في لغة الإشارة.” 


ويضيف: “ما يحتاجه طالب الصم هو محتوى مخصص، ومعلم مؤهل، وبيئة تُدرّس بلغته”.


وفيما تزداد الوعود وتتكرر التصريحات، يبقى التعليم بالنسبة للطلبة الصم تجربة مشوّشة في صفوف لا يسمعهم فيها أحد، ولا يتحدث بلغتهم إلا القليل.


صفوف صامتة.. ومعلم لا يسمع
الطلاب لا يسمعون معلمهم، وهو لا يفهم لغتهم، هذا هو حال المعلم الذي يدخل صفًا للصم دون أن يمتلك أدوات التواصل الأساسية، وهو ما أكدته المعلمة دنيازاد الخريشا عندما نقلت إلى مدرسة الأمل للصم، في الوقت الذي لم تكن تعرف فيه شيئًا عن لغة الإشارة.


وبعد عشرين عامًا من التعليم، عجزت الخريشا عن التواصل مع طلبتها للمرة الأولى بعد دخولها لغرفة صفية لا يسمعها فيها أحد، ما جعلها تدخل حالة من الإرباك والإنهاك النفسي استمرت لأسابيع، وراحت تفكر يوميًا في طلب العودة إلى مدرستها السابقة.


وفي التفاصيل، تؤكد الخريشا لـ”الغد”، أنها لم تتلقَ أي تدريب مسبق من قبل وزارة التربية والتعليم، لتعليم الصم، حتى إنها لم تُسأل إن كانت تمتلك المهارات اللازمة أو معرفة مسبقة بلغة الإشارة، وفي هذه الحالة فإن الحماسة وحدها لا تكفي.


ولم تكن الخريشا حالة فردية، وفق المديرة السابقة لمدرسة الأمل للصم خلود البطاينة، التي بينت أن غالبية معلمي مدارس الصم يتم تعيينهم دون أن يكون لديهم الحد الأدنى من المعرفة بلغة الإشارة، ثم يبدأون بعد ذلك رحلة التعلم بجهد ذاتي أو بدعم من زملائهم، أو من الطلبة أنفسهم.


وفي بعض الأحيان، يتم عقد “جلسات مساندة داخلية” من قبل معلمات ومعلمين أقدم، لكنها تبقى محاولات فردية لا تعوّض غياب التدريب المؤسسي.


تعليم مرتجل.. ونتائج غائبة
بدورها، تقول المرشدة التربوية شفاء اللطايفة، إن المعلمين الجدد غالبًا ما يعتمدون على اجتهادهم الشخصي، لكن سرعان ما يشعرون بالارتباك وانعدام التواصل عند غياب مدرب إشارة، وهو ما يُفقد الحصة التعليمية معناها.


وبينما يمضي المعلم وقته بين كر وفر، يكون الطالب قد خسر شهورًا من العام الدراسي، فيُحرم من التعليم كباقي أقرانه، وهذا الخلل لا يقتصر على الحصة فقط، بل يمتد إلى التحصيل العام، والقدرة على بناء بيئة تعلم فعالة.


وفي ظل غياب سياسات واضحة للتأهيل، وتطوير مناهج مخصصة، تبقى جهود الوزارات والمجلس مبعثرة لا تثمر تعليمًا فاعلًا، وهو ما أظهرته إحصائيات وزارة التربية والتعليم التي أشارت إلى أن نسبة النجاح للطلبة الصم في الثانوية العامة لا تتجاوز 1 %، وهي نتيجة حتمية عندما يخسر الطالب فرصة الفهم والتحصيل.


في تعليم الصم.. لغة الإشارة ضرورة ملحة
الواقع أن لغة الإشارة ليست أداة مساعدة، بل هي الأساس الذي يقوم عليه التعليم لدى الطلبة الصم، وفق مترجم وخبير لغة الإشارة في جامعة اليرموك معاوية البزور، الذي بين أن إدخال معلم إلى صف مخصص للطلبة الصم دون تأهيل مسبق يعني خسارة الوقت والجهد، وهو ما يضعف العملية التعليمية من أساسها.


ويلفت البزور إلى أن لغة الإشارة للطالب الأصم ليست وسيلة فقط، بل هي المدخل الوحيد للتعليم، وإذا لم يمتلك المعلم تلك اللغة قبل الدخول إلى الصف، فإن الحصة تصبح بلا جدوى.


ورغم اعتماد وزارة التربية والتعليم نظامًا لتأهيل المعلمين بالتعاون مع المجلس الأعلى لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة،  تأكيدها أن التعيين لا يتم إلا بعد حصول المعلم على رُخصة مزاولة مهنة في مجال لغة الإشارة الأردنية، لكن هذه الصورة لا تعكس واقع المعلمات اللواتي التقت بهن “الغد”، حيث أشرن إلى أنهن باشرن العمل دون أي تدريب مسبق، وأن ما حصلن عليه لاحقًا من تأهيل جاء إما من زملاء، أو عبر مبادرات ذاتية، كما أن بعض الدورات التي نُفذت من وزارة التربية لم تكن كافية لتأسيس المهارات الضرورية للتواصل الفعال داخل الصف.


لغة لا تُقرأ ومنهاج لا يُشرح
والمشكلة لا تتوقف عند المعلم. فحتى لو وُجد معلم يجيد لغة الإشارة، فإن المناهج نفسها تبقى خارج قدرة الطالب الصم على الفهم، بحسب دنيازاد الخريشا، إذ إن مناهج اللغة العربية مثلًا مكتوبة بلغة تركيبية ثقيلة، مليئة بالمصطلحات المجازية والنحوية التي يصعب إيصالها بلغة الإشارة. 
وتضيف أن طالب الصف العاشر أو الحادي عشر يتلقى محتوى لا يراعي ضعف مخزونه اللغوي، ولا طريقة فهمه للغة المكتوبة.
بدورها تُشير المديرة السابقة البطاينة إلى أن كتب العلوم والرياضيات والتاريخ تحمل مفاهيم لا توجد لها إشارات معتمدة أصلًا، ما يدفع المعلمين إلى الشرح المرتجل، أو استخدام لغة الإشارة العامة التي قد لا تكون دقيقة، وفي حالات كثيرة، لا يستطيع الطالب ربط المفهوم بالصورة، فيفقد القدرة على الاستيعاب، ويشعر بالإحباط. 


وتضيف إن هناك اقتراحات بإضافة رموز إلكترونية (QR Code) تحتوي على شرح بلغة الإشارة لم تُنفذ، رغم سهولة تطبيقها تقنيًا.


ويوافقهما الرأي الخبير البزور، مبينا أن المشكلة في المناهج مزدوجة، فالمحتوى لا يناسب خصائص المتلقي الأصم، ومن جهة أخرى، لا يوجد إطار موحّد لتطوير إشارات المصطلحات الأكاديمية، وهناك كلمات ليس لها ترميز إشاري.


ويؤكد أهمية تطوير مناهج خاصة، مكتوبة بلغة مبسطة، ومصممة بالتعاون مع مختصين في التعليم الصم، لا مجرد ترجمة للمناهج العامة.


وزارة التربية: تصريحات لا تشبه الواقع
من جهته، يؤكد مدير مديرية الطلبة ذوي الإعاقة الدكتور محمد الرحامنة في رده على “الغد” أن الطلبة الصم في المدارس الحكومية لا يواجهون صعوبة في التعليم بسبب المناهج وإنما لأسباب محدودية المصطلحات في لغة الإشارة، خصوصا المصطلحات الأكاديمية.


ويضيف أن الوزارة تراعي احتياجات الطلبة الصم في المناهج من خلال تصوير مقاطع فيديو ورفعها على المنصات المعتمدة للوزارة، والتي تتم مراجعتها بالتعاون مع المجلس الأعلى لحقوق لأشخاص ذوي الإعاقة.


وتعتمد وزارة التربية والتعليم، حسب الرحامنة، نظامًا لتأهيل المعلمين بالتعاون مع المجلس، يشمل دورات مثل لغة الإشارة، وإستراتيجيات تدريس الطلبة الصم، وأسس التعليم الدامج، وتأكيدها أن التعيين لا يتم إلا بعد حصول المعلم على رُخصة مزاولة مهنة في مجال لغة الإشارة الأردنية.


من جهته يوضح الناطق الإعلامي في المجلس الأعلى للأشخاص ذوي الإعاقة رأفت الزيتاوي أن المجلس يعمل ضمن إستراتيجية وطنية لتدريب الكوادر التربوية، والتي قام من خلالها بتطوير أكثر من 2000 مصطلح أكاديمي بلغة الإشارة ضمن مشروع بالشراكة مع الوكالة الكورية للتعاون الدولي. 


كما أشار إلى وجود منصة إلكترونية لتدريب المعلمين، وتوفير الموارد التعليمية لهم على منصة إلكترونية من خلال موقع” سوسل”.


وحول شكاوى أولياء الأمور الطلبة الصم، أكد الزيتاوي أن المجلس لم يتلق شكاوى رسمية بخصوص تأهيل المعلمين والمناهج.
والحال أن رد الزيتاوي من شأنه أن يفتح الباب واسعا أمام تساؤل محق حول مدى تفعيل قنوات التواصل بين الجهات الرسمية وميدان التطبيق.. فهل هناك من “يسمع”؟ 

نقلا عن  صحيفة الغد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى