
فؤاد بزي – الاخبار
خطوط غير مرئية تفصل بين قلب طرابلس ومنطقة باب التبانة وجبل محسن. عند عبورها يتحوّل الفقر من حالة فردية إلى واقع جماعي. أكثر من نصف سكان المدينة يعيشون تحت خط الفقر، فحسب البنك الدولي، تبلغ نسبة الفقر في طرابلس 52%، أي إن شخصاً من كل اثنين فقير، وتتركّز هذه الفئة أساساً في باب التبانة وجبل محسن، المنطقة التي شهدت أقسى التحوّلات الاقتصادية والاجتماعية، بدءاً من النشاط العمراني والتجاري الذي أكسبها لقب «سوق الذهب»، وصولاً إلى التهجير والتغيّر السكاني مع فيضان نهر أبو علي في ستينيات القرن الماضي، وما تبعه من دمار ومعارك مع اندلاع الحرب الأهلية في السبعينيات.
غياب الدولة وأجهزتها كان العامل الأبرز في تكريس مشكلات طرابلس، التي تتجسّد اليوم في أبنية مُهدّدة بالانهيار. فالسلطة السياسية في لبنان لم تعترف تاريخياً سوى ببعض مناطق بيروت وجبل لبنان كأماكن جديرة بالإنماء، بينما تعامل مساحات واسعة من البلاد بشكل استغلالي، مستفيدة من مواردها البشرية والطبيعية من دون تقديم أيّ مقابل.
في باب التبانة، لا تُقاس الأيام بالساعات بل بمحاولة تأمين ثمن لقمة العيش، فالمواطنون يعيشون دوامة السؤال الدائم: «كيف نكمل اليوم؟». المشهد يشرح طبيعة المكان: مبانٍ قديمة متلاصقة، شرفاتها مُدعمة بعوارض حديدية صدئة تجاوزت عمرها الافتراضي، تحمل آثار اشتباكات دامت 18 سنة ولم تُرمّم بعد. في الأزقّة، كل شيء ضيق: الطرق، الهواء، وحتى خيارات السكان. يبدو الفقر وكأنّه الهواء نفسه الذي يتنقّل بين الأزقّة. لكن خلف هذه الصورة العامة، توجد وجوه وقصص صغيرة تصنع يوميات حيّ بأكمله.
عمر الأبنية هنا يسبق الحرب والانهيار. شرفات متداعية، وجدران تحتفظ بثقوب الرصاص كأنها شواهد على زمن لم يغادر فعلياً. بعد انهيار مبنييْن في باب التبانة في شباط 2026، عاد السؤال عن مصير الأبنية المهترئة إلى الواجهة، لكنّ السكان يعرفون الحقيقة منذ زمن: «البيت واقف… بس عالبركة»، تقول أمّ علي، وهي أمّ لخمسة أطفال يعيشون في الطابق الرابع من مبنى رطب لا تصل إليه الشمس. تضيف وهي تنقل دلواً لالتقاط مياه التسرّب من السقف: «هيدا بيت أهلي. ما عنا مطرح غيرو». المبنى نفسه مُسنّد بقضبان حديدية، وأي إصلاح يحتاج إلى مال غير متوافر.
في سوق باب التبانة، يجرّ أبو فراس عربة خُضر صغيرة. «برجع على البيت مبسوط إذا طلعت بـ10 دولارات آخر النهار»، يقول الرجل الخمسيني، المتقاعد من الجيش. يرى في عربة الخُضر ملجأ يقيه العوز، فقيمة معاشه الشهري بعد 18 سنة خدمة، لا تتجاوز 200 دولار. على بعد خطوات، تجلس سارة، التي تمثّل جيلاً كاملاً توقّف مستقبله عند أبواب الأزقّة، أمام محل «بالة» لبيع الأحذية. ابنة السادسة عشرة تعمل منذ عامين «لتساعد البيت». تروي بابتسامة باهتة: «آخر مرة اشتريت شي لنفسي كانت من سنة. إذا لقيت شغل تاني بعمل… بس وين؟».
في القبة، ينخفض الطريق بين الأبنية كأنه وادٍ، وتصبح الرائحة الثقيلة وشبكات الصرف المكشوفة جزءاً من المشهد اليومي. أبو محمود، سائق سيارة قديمة لا تتجاوز قيمتها 500 دولار، يشتكي: «الطرقات بتاكل السيارة أكل». ومع ذلك يرفض مغادرة الحي: «هون ربيت. وهون بيعرفوني». ويضيف: «وين بروح إذا بدّلنا الحي؟ عالحي اللي بدو 500 دولار إيجار؟». أكثر ما يحزنه أنّ أبناءه الثلاثة تركوا المدرسة، قائلاً: «شو بدي أعمل؟ الدفاتر أغلى من أجر النهار».
في جبل محسن، حيث يدفع السكان ثمن انتمائهم الطائفي في السياسة والإنماء، تتداخل البيوت بعضُها فوق بعض وصولاً إلى التلة. أمّ إبراهيم، امرأة في أواخر الأربعينيات فقدت زوجها قبل عشر سنوات، تعمل في تنظيف البيوت ثلاثة أيام أسبوعياً، وتقضي الطريق نزولاً سيراً على الأقدام لأن سيارة الأجرة باتت رفاهية لا تقدر عليها. تشير إلى الدرج الذي يربط الجبل بباب التبانة: «أقوى شي بهالحي الإرادة. إذا ما اشتغلنا، منموت». ابنها الأكبر، إبراهيم، يحلم بأن يصبح «كهربجي طاقة شمسية»، لكنه يفتقد ثمن المعدّات، ويضحك بمرارة: «بدّي شغل مش حلم».
رغم هذه الصعوبات، تظهر خطوط خفيفة من الأمل. بمبادرة شبابية في التبانة وجبل محسن، رُكّبت إنارة تعمل بالطاقة الشمسية في الشوارع الضيقة، يقول شاب مشارك في المشروع: «الدولة مش شايفتنا، بس نحنا شايفين بعض».



