د. جوزيف ديب- إقفال SIDEM بصمت هو سقوط هيكل… أين وزير الصناعة والحكومة!؟

عند نهر الكلب، لا يمرّ اللبناني كما يمرّ أي إنسان على طريق، بل يمرّ كأنّه يمرّ على ذاكرته نفسها. هناك لوحة الجلاء التي تؤرّخ خروج آخر القوات الأجنبية في 31 كانون الأول 1946، كخاتمة فعلية لاستقلال أُعلن في 1943، وكأنّ المكان يقول إنّ الاستقلال معنى يُقاس بالقدرة على حماية الناس والعمل والكرامة، لا بمجرّد الشعارات. وإذا كان هذا الصخر يخلّد خروج الجيوش، فثمة خروج آخر يحدث هنا بصمت، وهو خروج SIDEM.

فعلى الضفة المقابلة تقريباً، فوق الأوتوستراد مباشرة، يهَيمن تمثال يسوع الملك، و«ع مفرق يسوع الملك» عبارة يومية لا تحتاج شرحاً، لأنّها تختصر للناس طريقاً وذاكرة عبور. ومن تحت هذا الثبات، في النقطة التي يراها كل مَن يعبر، كانت SIDEM صرحاً صناعياً يعيش في نفسية الطريق نفسها، علامة تقول إنّ في هذا البلد شيئاً يُصنع، وإنّ هناك عائلات لا تعيش على الوعد وحده بل على راتبٍ يُدفع في نهاية الشهر. وفي المكان الذي يخاف اللبنانيّون أن يتحوّل إلى خط فصل، يحدث اليوم فصل آخر بصمت، ليس فصل مناطق، بل فصل عمل وإنتاج عن حياة الناس، من دون شاهد دولة. وقبل أن يتحوّل هذا الكلام إلى تحليلٍ بارد، يكفي أن ننزل إلى مشهدٍ واحد يثبت أنّ الإقفال ليس إشاعة ولا مبالغة، بل واقع يُروى على الأرصفة.

في 16 شباط 2026، سمعتُ الجيران يتحدّثون عن أنّ إيلي وزملاءه كان ذلك يومهم الأخير في SIDEM. ويروون بإسهاب كيف أنّه دخل إلى غرفة الطعام ليسخّن غداءه، فلم يجد ميكروويف ولا أدوات، كأنّ المكان يُفرَّغ قبل أن يُقفل. وللإنصاف، لستُ أكتب هنا اتهاماً قضائياً، بل أنقل مشهداً كما رآه عامل في يوم الوداع. وفي اللحظة التي وقف فيها أمام الفراغ، لم يقترب منه أحد من البشر. اقتربت قطة وحيدة، كأنّها آخر من بقيَ ليتفقّد المكان بعدما غادره كل شيء. أخرج غداءه الذي كان يريد أن يسخّنه، ثم قدّمه لها كلّه، بلا تردّد، كأنّ لقمة العامل في هذا البلد آخر ما يملك ليُثبت أنّه ما زال إنساناً. هنا انقلب المشهد إلى خلاصة بلد. العامل الذي يُترك وحده هو من يُطعم، بينما الدولة والوزارة والسلطة تُحسن الصمت أكثر ممّا تُحسن الاقتراب. هذه ليست رواية عاطفية، بل مؤشر ميداني إلى إقفالٍ يحدث بصمت.

ومن هنا يبدأ السؤال الذي يجعل إقفال SIDEM فضيحة لا خبراً. أين وزارة الصناعة عندما يغادر مصنع بهذا الثقل بصمت؟ أين الحكومة حين يتحوّل خروج منشأة صناعية إلى إجراء إداري بلا كلمة، ولا خطة لامتصاص الصدمة، ولا صوت يحترم العمال وعائلاتهم؟ لأنّ الصمت هنا ليس حياداً، الصمت يتحوّل إلى سياسة، ثم إلى ثقافة. ولنفهم لماذا لا يجوز التعامل مع الأمر كأنّه ورقة تُطوى، يكفي أن نرى ما كانت تعنيه SIDEM اقتصادياً واجتماعياً قبل أن تغيب.

لذلك، حين يخرج هذا الصرح من المشهد فإنّه يخرج من إحساس الناس بمعنى العمل. SIDEM لم تكن مجرّد مصنع ألمنيوم، بل سلسلة حياة كاملة حولها، أي ورش وموزّعون ونقل وخدمات تركيب وصيانة، وحركة يومية تنعكس على بيوتٍ كثيرة. وعندما تنكسر الحلقة الكبرى تتراجع الحلقات الصغيرة، ثم يُدفع السوق إلى بدائل خارجية أغلى وأبطأ وأقل ارتباطاً بالناس، فتخسر البلاد رواتب وتخسر قدرة وتخسر جزءاً من معنى السيادة الإقتصادي.

وهنا تصبح الأسئلة الوجيهة جزءاً من صلب الاتهام. وأولها ما هي ضغوط هذا القطاع؟ ركود السوق المحلي، أم إغراق الاستيراد بأسعار غير عادلة، أم صعوبات التصدير؟ وكيف يُفهم الركود المحلي أصلاً في بلدٍ يُقال إنّه مقبل على إعادة إعمار واسعة لما خلّفته الحرب الأخيرة على الضاحية والجنوب، بينما تُقدَّم مؤشرات التمويل الدولي وزيارات المسؤولين إلى الجنوب كعلامات عودة الدولة إلى الميدان؟

أمّا الإغراق فليس قدراً. عندما تُغرق دولٌ أسواقنا بمنتجات تُباع من دون كلفة عادلة، تكون أداة الردّ الأولى رسوماً رادعة وإجراءات حمائية، لا ترك الصناعة تُذبح ثم مطالبة الناس بتقبّل الذبح كأنّه «طبيعة الأشياء». وهذه أبسط لغة سيادة اقتصادية، وهي اللغة التي يُتقنها الرئيس الأميركي دونالد ترامب حين يجعل التعرفة رسالة دولة لا هامش تبرير. وأمّا التصدير، فالدولة تُقاس بما تفعله خارج حدودها. أين البعثات التي تفتح الأسواق؟ أين الملحقون الصناعيّون والاقتصاديّون في السفارات كأداة عمل يومية لترويج الصناعة اللبنانية وربطها بعقود وفرص وأسواق، لا كواجهة بروتوكولية؟ ليست المشكلة نقص الأدوات، بل غياب مَن يستخدمها لحظة الامتحان.

والأقسى، أنّنا نعرف هذا الأسلوب. حين تتحوّل الجريمة إلى مصطلح، ويُبرَّر الفعل بكلمة. يوم سُرقت مدّخرات المودعين ثم أُعيد توصيف دَين الدولة من أموالهم على أنّه «فجوة»، كأنّ اللفظ يمحو الجريمة ويبدّل الفاعل. واليوم يحصل شيء شبيه في الصناعة. خروج صامت يُدار كأنّه روتين، وكأنّ الإقفال مجرّد ورقة، لا حياة تُطفأ.

ثم تأتي الأسئلة التي يهرب منها الجميع لأنّها تفضح ما تحت الصمت. لماذا يخرج العمّال بهذه السكينة؟ ما الذي روّضهم؟ هل هي تعويضات تُلوَّح بها، أم أوراق تُوقَّع بصياغات تجعل الحقوق مؤجّلة أو مشروطة أو قابلة للتأويل؟ ماذا قيل لهم ليوقّعوا، ومَن حضر باسم الدولة أو النقابات؟ لأنّ إطفاء منشأة صناعية كبرى ليس تفصيلاً اقتصادياً، بل علامة على نظام يفضّل إغلاق الأبواب بهدوء كي لا يسمع المجتمع صوت الإنهيار.

هنا، عند نهر الكلب، حيث نخلّد خروج الجيوش في حجر، يجب أن نخجل من خروج المصانع بلا كلمة. ومغزى قصة إيلي والقطة ليس مبالغة أدبية، بل اتهام أخلاقي. إذا كان عامل يودّع رزقه ويُطعِم قطة وحيدة، فهل يوجد في هذه السلطة مَن يشعر بشيء تجاهه وتجاه من شغّلوا هذا الصرح لعقود؟ أم أنّ اللامبالاة صارت وظيفة؟

«ع مفرق يسوع الملك»، يطلب الناس الاتجاهات كل يوم، لكنّ السؤال الحقيقي اليوم ليس أين الطريق بل أين الدولة؟ وأي وطن هذا الذي يحفظ معنى الجلاء على الصخر ثم يسمح بجلاء الإنتاج من دون سطر واحد، ومن دون أن يرتجف ضمير واحد، ومن دون أن يشعر أحد أنّ غياب مصنع كبير كـ SIDEM ليس خسارة شركة، بل خسارة وطنٍ لقدرته على أن يُطعم ناسه بعملهم، لا بسياسة الصمت؟

هذه ليست فقط قصة SIDEM! هذه قصة بلد يختار أن يخسر الإنتاج، ثم يتظاهر أنّ الاقتصاد يمكن أن يعيش على الهواء. إذا كانت الدولة عاجزة عن حماية الصناعة، فلتقل ذلك بصراحة. وإذا كانت قادرة، فلتظهر اليوم قبل الغد، لأنّ كل يوم صمت هو يوم إضافي تُسحب فيه قطعة جديدة من عصب الاقتصاد اللبناني!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى