حجب المساعدة السكنية في فرنسا: قرار مالي أم ضربة لآلاف الطلاب اللبنانيين؟

 مريانا أمين – باريس – الحوارنيوز

بعد بلوغ الانهيار المالي والاقتصادي في لبنان مستويات خطيرة وغير مسبوقة، وبعد أن تآكلت مدّخرات العائلات وضاعت قيمة العملة وتبدّدت الأحلام، حمل آلاف الطلاب اللبنانيين حقائبهم وتوجّهوا إلى فرنسا بحثًا عن فرصة نجاة أكاديمية ومستقبل أكثر استقرارًا.

لم يكن قرارهم رفاهية، بل ضرورة فرضتها أزمة خانقة حوّلت التعليم في لبنان إلى عبء يفوق قدرة معظم العائلات.

فرنسا، بتاريخها الجامعي العريق، وبأنظمتها التي كانت تتيح للطالب الدولي الحصول على مساعدة سكنية، بدت لكثيرين ملاذًا ممكنًا. فبفضل تلك الآليات، أصبحت كلفة الدراسة والمعيشة رغم صعوبتها، أقل من كلفة العديد من الجامعات الخاصة في لبنان. فجاء الطلاب اللبنانيون بالآلاف، معتمدين على نظام واضح يوفّر حدًا أدنى من الأمان السكني، ويسمح لهم بإكمال دراستهم بكرامة.

اليوم، يتفاجأ هؤلاء بقرار قد يقلب حياتهم رأسًا على عقب. فقد أعلنت الحكومة، خلال عرض مشروع قانون المالية لعام 2026، عن تغيير جوهري في معايير استحقاق إعانات السكن، تحت عنوان إعادة توجيه الموارد في ظل ميزانية “متطلبة”.

إجراء يبدأ في يوليو 2026… وأثره يبدأ من الآن

ابتداءً من 1 يوليو 2026، لن يكون الطلاب الدوليون من خارج الاتحاد الأوروبي، الذين لا يحملون منحًا دراسية، مؤهلين للحصول على إعانات السكن. ووفقًا للحكومة، سيؤثر القرار على نحو 3% من أصل 3 ملايين طالب في فرنسا.

قد يبدو الرقم صغيرًا في لغة الإحصاءات، لكنه ليس صغيرًا في حياة من سيُحرمون من هذه المساعدة. خلف هذه النسبة المئوية آلاف القصص الشخصية، وآلاف العائلات التي ترسل ما تبقّى من دخلها المتآكل لتأمين إيجار غرفة صغيرة في مدينة فرنسية.

تؤكد الحكومة أن الطلاب الحاصلين على منح سيستمرون في الاستفادة، وكذلك طلاب الاتحاد الأوروبي. لكن شريحة واسعة من اللبنانيين لا تملك منحًا رسمية، وتعتمد على مزيج هشّ من دعم عائلي محدود، وعمل جزئي، ومساعدة سكنية كانت تشكّل عنصر التوازن الأساسي في ميزان معيشتهم.

إلغاء هذه المساعدة لا يعني مجرد تعديل بند مالي، بل يعني زيادة فورية في الأعباء الشهرية قد تدفع بعض الطلاب إلى العمل لساعات أطول على حساب دراستهم، أو إلى الاستدانة، أو حتى إلى التفكير بترك الجامعة والعودة إلى بلد لا يملك بدوره حلولًا.

آليات دعم… ولكن

تشير الحكومة إلى استمرار إمكانية استفادة الطلاب من خدمات مراكز CROUS، لا سيما في ما يخص السكن الجامعي والاجتماعي . إلا أن الواقع العملي يُظهر أن هذه الإمكانات محدودة، وأن الطلب يفوق العرض بكثير، ما يجعلها حلًا غير مضمون للجميع.

وهنا يكمن القلق الحقيقي: ماذا عن الطالب الذي لا يحصل على منحة، ولا يجد مكانًا في السكن الجامعي، ولا تستطيع عائلته تحمّل أي زيادة إضافية في التكاليف؟ هل يُطلب منه ببساطة أن يتحمّل الصدمة وحده؟

“خيار العدالة الاجتماعية”… لكن العدالة لمن؟

يدافع المسؤولون عن القرار بوصفه “خيار العدالة الاجتماعية”، مؤكدين أن الموارد يجب أن تُوجَّه إلى “الأكثر حاجة”. غير أن السؤال الذي يطرحه كثير من الطلاب اللبنانيين بسيط ومؤلم في آن: ألسنا نحن أيضًا من الأكثر حاجة؟

طلاب يأتون من بلد يعيش إحدى أسوأ الأزمات الاقتصادية في العالم، بلا دعم مصرفي حقيقي، وبعائلات تكافح يوميًا لتأمين الأساسيات. هؤلاء لا يطلبون امتيازًا، بل حدًا أدنى من الاستقرار الذي بُنيت عليه قراراتهم الدراسية.

فبين الجاذبية والقيود، وأحلام معلّقة،

تُقدَّم فرنسا كواحدة من أبرز الوجهات الجامعية في أوروبا، ويُشاد بانفتاحها واستقطابها للطلاب الدوليين. لكن القرارات المالية الصارمة قد تُرسل رسالة مختلفة: أن الطالب مرحّب به، ما دام لا يثقل كاهل الميزانية.

بالنسبة للطلاب اللبنانيين، المسألة ليست نقاشًا تقنيًا في أروقة البرلمان، بل واقع يومي يمسّ سكنهم، طعامهم، واستمرارهم في الدراسة. إنها لحظة قلق حقيقية، وربما نقطة تحوّل في مسارات حياة لم تكن أصلًا سهلة.

فمن سيهتم بهذا الأمر؟

ومن سيحمل صوت هؤلاء الطلاب الذين راهنوا على العلم كطريق خلاص، فإذا بهم يجدون أنفسهم أمام معادلة جديدة أكثر قسوة… وأقل إنصافًا؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى