الإيجار في زمن النزوح: إستغلال وإستنزاف لمدّخرات الناس

 باسمة عطوي

يغيب شعار الإيجار العادل ويحل مكانه مبدأ إستغلال الفرص، في كل مرة يبدأ العدوان الإسرائيلي على لبنان ويخرج معه نحو مليون مواطن موزعين بين قرى الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية من بيوتهم. صحيح أنه لا يمكن التعميم وهناك أصحاب شقق سكنية ومُطورين عقاريين، يطلبون بدلات إيجار مشروعة ومُستحقة، إلا أن ما يجري حاليا في سوق إيجارات الشقق هو أقرب إلى فوضى أسعار وإقتناص للفرص من قبل بعض المالكين، الذين يطبقون المثل القائل مصائب قوم عند قوم فوائد.

اليوم، وفي سياق الحرب الدائرة، حيث يُستشهد الآلاف بسبب العدوان الإسرائيلي المستمرّ وينزح الآلاف أيضا، باتت الإعلانات عن شقق سكنية للإيجار تنهال على المواطنين من كل حدب وصوب، لكن ببدلات إيجار مُضاعفة وأحيانا أكثر، من دون أن تكون الشقق المعروضة تتمتع بمواصفات مُستحقة للبدلات المطلوبة.

في المُقابل يتوقع المُختصون أن تهدأ هذه “الفوضى” في سوق الايجارات بعد فترة وجيزة، نتيجة تلبية جزء من الطلب ولذلك يمكن تسجيل عدة ملاحظات على ما يحصل اليوم في هذا السوق:

أولا: الطلب يفوق العرض وعدد الوحدات السكنية التي عُرِضت للإيجار، لا يتماشى مع الحاجة الهائلة والمُتزايدة للسكن نتيجة تفاقم النزوح. فتحوّلت عملية إيواء النازحين وهي أولاً مسؤولية الدولة وثانياً مسؤولية إجتماعية جماعية، إلى مسألة يتحكّم بها مالكو الشقق والمباني.

ثانيا:يتصدر قضائي عكار وطرابلس-المنية نسبة الوحدات المعروضة للإيجار في لبنان، مع التذكير والإشادة بالمبادرات الفردية والتضامن المُجتمعي التي شهدها قضاء عكار وجيرانه أقضية طرابلس والمنية-الضنية، مع النازحين خلال عدوان 2024 ، حيث تمّ عرض عدد كبير من الوحدات فيها مجاناً لإستقبال النازحين، ويبدو ذلك لافتاً كونها مناطق لطالما تمّ تهميشها وتفقير سكانها.

ثالثا-صحيح أن نوعاً من التضامن الإجتماعي ظهر بعد موجات النزوح، من خلال الترحيب بالنازحين في العديد من المناطق أو من خلال ظهور عدد كبير من المبادرات الفردية لدعم النازحين ومساعدتهم، غير أن بعض المناطق تُظهر بوادر “أمننة النزوح”. ويظهر ذلك من خلال تحذير بعض البلديات للسكان من التأجير من دون إعلامها، حرصاً على عدم وجود عناصر عسكرية أو شخصيات أمنية تُعرض سكان البلدة للخطر.

رابعا-هناك إمتناع مقصود عند شريحة واسعة من المجتمع عن تأجير أملاكها، إمّا لأسباب طائفية-طبقية-مناطقية أو أمنية، بهدف إبقاء النازحين بعيدين عن مناطق وأحياء معيّنة، أو لأسباب تتعلّق بخوف الملّاك من عدم إمكانية إستمرارية الدفع أو غيره من الأسباب.

خامسا-خطط الإيواء التي تضعها الدولة تتوجّه لفئة النازحين الذين لم يتيسّر لهم الإيجار، وتتجاهل شريحة من النازحين أُجبرت على الإستئجار أو البقاء عند معارفهم بفعل غياب الخيارات، وهذا ما يترك مصائر النازحين رهينة لدى المالكين، أي لدى من يمكن أن يستفيد من وضعهم ويستغلّهم.

سادسا-يشهد سوق الإيجارات في لبنان تفاوتاً كبيراً في الأسعار دون أي منطق واضح. وقد أبقى العدوان الاسرائيلي المُتكرر على هذا الوضع، وأبقت على سلطة المالكين وتحكّمهم، ليس فقط في توفير المساكن كما بيّنا أعلاه، بل أيضاً في التحكّم ببدلات إيجاراتها.

سابعا -في قراءة جغرافية لبدلات الإيجار، يظهر أن محافظة جبل لبنان تصدّرت قائمة المحافظات من حيث معدّل الإيجار الشهري، وسجّلت محافظة عكار أدنى معدّلات الإيجار مقارنةً ببقية المحافظات (أقلّ بحوالي 40 بالمئة من معدّل الإيجارات في جبل لبنان). يمكن تفسير الفروقات في تحديد المالكين للأسعار بزيادة الطلب على الإيجارات في محافظة جبل لبنان، كونها تضم بلدات تُعتبر “آمنة” نسبياً وأقرب إلى بيروت والجنوب، ممّا يسهل الوصول إليها، وبقلة الطلب على الإيجارات في محافظة عكار نتيجة بُعدها النسبي عن المناطق المستهدفة، أي صعوبة وصول النازحين إليها بسبب غياب وسائل النقل أو عدم قدرة هؤلاء على تأمينها.

ثامنا-الحرب لم تؤثّر على سلطة المالكين في سوق الإيجار، فبقيت بدلات الإيجار في ظلّها خاضعة لمزاجهم، ممّا يعكس “رأسمالية الحرب” التي تستغل الأزمات لتحقيق الربح. ويحصل ذلك في ظل إستمرار وضع الدولة لمصلحة المالكين كأولوية، والإستهتار بمصلحة من هم الأكثر حاجة للدعم اليوم أي النازحين، فتتحول بدلات الايجار المُرتفعة إلى نار تلتهم مدّخراتهم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى