
كشفت تطورات الحرب بين الولايات المتحدة وإيران عن فجوة واضحة بين تقديرات إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب قبل الهجوم العسكري وردّ طهران الفعلي، خصوصاً في ما يتعلق بتداعيات الحرب على أسواق الطاقة والملاحة في الخليج.
وبحسب تقرير للصحافيين مارك مازيتي وتايلر بيجر وإدوارد وونغ نشرته صحيفة “نيويورك تايمز”، فإن عدداً من كبار مستشاري ترامب قلّلوا قبل الهجوم من احتمالات أن تلجأ إيران إلى تصعيد اقتصادي واسع عبر تهديد إمدادات النفط العالمية.
ففي 18 شباط، بينما كان ترامب يدرس توجيه ضربات عسكرية لإيران، قال وزير الطاقة الأميركي كريس رايت في مقابلة إنه لا يشعر بالقلق من أن تؤدي الحرب إلى اضطراب كبير في أسواق النفط. واستند في ذلك إلى تجربة الضربات الأميركية والإسرائيلية السابقة في حزيران، والتي شهدت ارتفاعاً محدوداً في الأسعار قبل أن تعود إلى الاستقرار سريعاً.
غير أن هذه التقديرات سرعان ما انهارت مع بدء الحرب، بعدما هددت إيران باستهداف ناقلات النفط المارة عبر مضيق هرمز، الممر البحري الذي يمر عبره نحو 20 في المئة من إمدادات النفط العالمية. وأدى ذلك إلى توقف شبه كامل لحركة الشحن في الخليج، وارتفاع حاد في أسعار النفط، ما دفع إدارة ترامب إلى التحرك سريعاً لاحتواء تداعيات اقتصادية بدأت تنعكس على أسعار الوقود داخل الولايات المتحدة.
ويشير التقرير إلى أن هذا التطور يعكس مدى سوء تقدير الإدارة الأميركية لردّ إيران على الهجوم الذي اعتبرته طهران تهديداً وجودياً. فقد ردّت إيران بشكل أكثر شراسة مما فعلت خلال حرب الأيام الـ12 في العام الماضي، عبر إطلاق موجات من الصواريخ والطائرات المسيّرة على قواعد أميركية في الشرق الأوسط ومدن في دول عربية إضافة إلى أهداف داخل إسرائيل.
وأجبرت هذه التطورات المسؤولين الأميركيين على تعديل خططهم بشكل متسارع، بما في ذلك إجلاء موظفين من بعض السفارات والعمل على وضع سياسات طارئة لاحتواء ارتفاع أسعار الوقود.
وقال السناتور الديموقراطي كريستوفر مورفي بعد إحاطة مغلقة قُدمت للكونغرس إن الإدارة الأميركية “لا تملك خطة واضحة للتعامل مع مضيق هرمز ولا تعرف كيف تعيد فتحه بأمان”.
وفي المقابل، حاول البيت الأبيض التقليل من خطورة الوضع. وقالت المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولاين ليفيت إن الإدارة “كانت تمتلك خطة قوية قبل اندلاع الحرب”، مؤكدة أن اضطراب سوق النفط “مؤقت وضروري للقضاء على التهديد الإيراني”.
ورغم ذلك، أقر وزير الدفاع بيت هيغسيث بأن ردّ إيران العنيف فاجأ البنتاغون إلى حد ما، قائلاً إن واشنطن لم تكن تتوقع بالضرورة هذا الشكل من التصعيد.
وكان بعض المستشارين العسكريين قد حذروا مسبقاً من أن إيران قد تشن حملة انتقامية واسعة إذا اعتبرت الضربات الأميركية تهديداً لبقاء النظام. لكن مسؤولين آخرين راهنوا على أن اغتيال القيادات العليا في طهران قد يفتح الباب أمام قيادة أكثر براغماتية تسعى إلى إنهاء الحرب.
وعندما أُبلغ ترامب قبل الحرب بإمكانية ارتفاع أسعار النفط، اعترف بأن ذلك قد يحدث لكنه اعتبره مشكلة قصيرة الأمد لا يجب أن تعيق هدف “تصفية القيادة الإيرانية”. وكلف حينها وزير الطاقة ووزير الخزانة سكوت بيسنت بإعداد خيارات للتعامل مع ارتفاع الأسعار، بينها توفير تأمين حكومي لمخاطر الشحن وإرسال مرافقة بحرية للناقلات.
غير أن هذه الإجراءات لم تُطرح علناً إلا بعد أكثر من 48 ساعة على بدء الحرب، ولم يبدأ تنفيذها فعلياً بعد.
كما زادت الفوضى في الأسواق بعدما نشر وزير الطاقة منشوراً على وسائل التواصل الاجتماعي أعلن فيه أن البحرية الأميركية رافقت ناقلة نفط عبر مضيق هرمز، ما أدى إلى ارتفاع الأسهم وتهدئة الأسواق. لكن المنشور حُذف لاحقاً بعد تأكيد مسؤولين أن المرافقة لم تحدث، الأمر الذي أعاد التوتر إلى الأسواق.
وفي ظل استمرار التصعيد وارتفاع أسعار النفط، بدأ القلق يتصاعد داخل الأوساط السياسية في واشنطن، خصوصاً مع اقتراب الانتخابات النصفية، وسط مخاوف من أن تؤثر الأزمة على الأجندة الاقتصادية للجمهوريين.
كما كشف مسؤولون في البنتاغون خلال إحاطات مغلقة أن الجيش الأميركي أنفق نحو 5.6 مليار دولار من الذخائر خلال اليومين الأولين من الحرب وحدهما، وهو معدل استهلاك أعلى بكثير مما كان متوقعاً.
وفي المقابل، أكد مسؤولون إيرانيون أنهم سيواصلون استخدام نفوذهم في سوق الطاقة للضغط على الولايات المتحدة. وقال علي لاريجاني، المسؤول الأمني الإيراني البارز، إن مضيق هرمز “إما أن يكون مضيق سلام وازدهار للجميع، أو مضيق هزيمة ومعاناة لمن يشعلون الحروب”.



