د.روي حرب- من سمح لنا أن نتحوّل إلى قضاةٍ بلا محكمة، ومجرمين متخفّين خلف شاشاتٍ تبعث فقط ضوءًا باردًا؟

 

كتبت د. روي حرب:

تضج وسائل التواصل الاجتماعي منذ الأمس بصخب لا يهدأ وبآراء مختلفة وصدامات كلاميّة. البعض يتهم هذه المذيعة بقلة الإدراك المهني والآخر يتّهم تلك الإعلامية بالتعالي والتكبّر وعدم النضوج رغم السن. والرأيان فيهما بعض من الحقيقة…

وقبل ذلك، فيما يلهث المجتمع الالكتروني خلف شهوة التقييم، ضجّت الوسائل نفسها برقصة عفويّة في عشاء خاص لخبير تجميل في بيروت. وكلّ من عنده دلو أدلى به. هذا وقد شهدت نفس وسائل التواصل حملة تخوين جمالية عقب انتخاب ملكة جمال جديدة للبنان ذهبت بالبعض حدّ القول أنها قبيحة. كلّ ذلك تحت ستار حريّة التعبير.

ولكن…

في المقلب الآخر، لو وضعنا أنفسنا مكان الضحيّة التي تُجلد من كل مَن هبّ ودَب، ممّن يعرفها أو ممن يتسلّى خلف شاشته، من المثقف أو الجاهل… الكل يقوم بالجَلد العنيف… هل تساءلنا عن نفسيّة جاسنت وبيرلا وبسام؟

من سمح للبشر أن يُصنَّفوا ويُشاد بهم أو يُذلُّوا في قلب ليلة واحدة؟ ألا نملك من رحمة ما يكفي لئلا نَرجم الآخر بكلمةٍ واحدة؟ هل نقبل أن يُوجَّه إلينا مَثلُ هذا السيف في العمل أو في الحياة؟

من سمح لنا أن نتحوّل إلى قضاةٍ بلا محكمة، ومجرمين متخفّين خلف شاشاتٍ تبعث فقط ضوءًا باردًا؟ نجاهرُ بآرائنا غير آبهين بضررها على الآخر، نجهزُ مشنقة الكلمة ونصفِّق لصرخةٍ تحطم نفسًا. هل صار لنا الحق في أن نقتل الإنسان تدريجيًا؟ أم أننا لا نزال نملك من البقايا ما يُذكّرنا بالإنسانيّة؟

ربما يكفي أن نتذكّر أنّ وراء كل صورةٍ أو خبرٍ أو تغريدةٍ إنسانٌ — ضعيفٌ، فخور، خائف، يضحك أو ربما يبكي. ومهما بلغ الزحام على الشاشات، فليسَ مِن شرفٍ أن تكون أوّل من يُرمى بالحجر أو يرميه.

الأدب، حتى في سخرية مارون عبود، يُعلّمنا أن نَسخر من عاداتنا قبل أن نسخر من الناس؛ أن نكتب نقدنا عن ذاتنا قبل أن نرجم الآخرين بعباراتٍ جاهزة.

فلنُصغِ قليلًا إلى العقل قبل أن نضع الكفّ على زر الإرسال. ولنعد إلى حضنٍ صغيرٍ اسمه رحمة — فقد تنقذنا، ولو بعد حين.

هل صرنا في غابة وماتت الإنسانية؟

#خدوني_ع_قد_عقلاتي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى