
في عالم يتسارع فيه التطور التقني بوتيرة غير مسبوقة، لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد أداة لتحليل البيانات، بل أضحى شريكاً حقيقياً في مجالات طبية حساسة.
ومن بين آلاف القصص التقنية، شغل رائد الأعمال الأسترالي بول كونينغهام على مدى اليومين الماضيين مواقع التواصل ووسائل الإعلام، بعدما سخر خبرته في التعلم الآلي لإنقاذ كلبته “روزي” إثر إصابتها بسرطان الخلايا البدينة الشائع لدى الكلاب.
حيث رفض الاستسلام لتشخيص مرض السرطان الذي أصاب كلبته، فاستعان بالذكاء الاصطناعي لتصميم لقاح علاجي مخصص لها، في تجربة تصدرت الترند.
فقد بدأت القصة عبر استخدام تشات جي بي تي من أجل إنقاذ “روزي” من السرطان. في حين لعب “غروك” الدور المحوري في التصميم النهائي للقاح.
وأوضح كونينغهام أن التركيبة النهائية للقاح “mRNA” – التي حققت معجزة طبية بتقليص حجم الورم المتقدم بنسبة 75% – كانت من تصميم “Grok” تحديداً.
في حين تمت هذه العملية المعقدة عبر مسار علمي دقيق، بدأ بتحليل جيني شامل بتكلفة 3000 دولار لمقارنة الحمض النووي السليم بالورم، ثم استخدام أداة “AlphaFold” لتحديد البروتينات المتحولة.
ولتفسير ذلك بشكل علمي مبسط، أوضح الدكتور محمد محسن رمضان، رئيس وحدة الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني بمركز العرب للأبحاث والدراسات، “أنها قصة تبدو خيالاً علمياً لكنها واقع يعكس التحول العميق نحو الطب الدقيق”.
“مشكلة بيانات”
وأضاف في تصريحات للعربية.نت/الحدث.نت أنه “رغم خضوع الكلبة للجراحة والعلاج الكيميائي، لم تتوقف الأورام عن النمو، فيما توقع الأطباء أنها لن تعيش سوى بضعة أشهر”. وأردف قائلاً: “هنا قرر الرجل الأسترالي تحويل المشكلة الطبية إلى مشكلة بيانات، فقام بالحصول على تسلسل الحمض النووي الكامل للورم عبر مركز متخصص، وقارنه بالحمض النووي السليم لاكتشاف الطفرات المسببة للمرض”.
إلى ذلك، أشار رمضان إلى أن “الذكاء الاصطناعي تدخل عبر أداتين رئيسيتين، الأولى هي ChatGPT الذي استُخدم لوضع خطة بحثية وتحليل الخيارات العلاجية وتنظيم البيانات العلمية، والثانية هي نظام AlphaFold المطور من قبل “Google DeepMind”، والذي تنبأ بالبنية ثلاثية الأبعاد للبروتينات، مما ساعد في فهم تأثير الطفرات الجينية”.
وبناءً على هذا التحليل تم تصميم لقاح يعتمد على “الرسول الجيني” (mRNA)، وهو نفس التكنيك المستخدم في لقاحات الأوبئة الحديثة، حيث يرسل تعليمات للجسم لإنتاج بروتينات تدفع الجهاز المناعي لمهاجمة الخلايا السرطانية تحديداً.
وتابع الطبيب المصري قائلاً: “تلقت روزي الجرعات منذ ديسمبر الماضي، فكانت النتيجة تقلصاً ملحوظاً في حجم الأورام وتحسناً كبيراً في حالتها الصحية”.
مستقبل الطب
إلى ذلك، أكد رمضان أن هذه القصة تمثل مستقبل الطب المدعوم بالذكاء الاصطناعي عبر ثلاث مراحل، وهي تحويل البيولوجيا إلى بيانات رقمية، ثم تحليلها لاكتشاف الطفرات، وبعدها تصميم علاج شخصي مخصص لكل مريض بدلاً من العلاجات الموحدة للجميع.
من جانبه، رأى الدكتور محمد عسكر، استشاري نظم المعلومات والذكاء الاصطناعي، أن الصورة أكثر تعقيداً فهي مزيج من التحليل الجيني المتقدم، وأدوات الذكاء الاصطناعي، والتعاون العلمي مع باحثين جامعيين.

كما أوضح في تصريحات خاصة لـ”العربية.نت/الحدث.نت”، أن ما نراه هنا هو مثال مبكر على مستقبل الطب الشخصي، حيث يمكن لتحليل البيانات الجينية والذكاء الاصطناعي أن يساعدا في تصميم علاجات مخصصة لكل مريض، لكن هذا المستقبل ما زال يعتمد بشكل أساسي على العلماء، والاختبارات السريرية، والرقابة العلمية الصارمة لضمان السلامة والفعالية.
وتابع أن ما حدث هنا لا يمكن وصفه بأنه “تصميم لقاح بواسطة نموذج ذكاء اصطناعي واحد”، بل هو مثال واضح على تكامل عدة طبقات من التقنيات، البداية كانت بعملية تسلسل جيني للورم، وهي خطوة أساسية في الطب الدقيق (Precision Medicine) هذه البيانات الجينية تُنتج كميات ضخمة من المعلومات، وهنا يظهر دور الذكاء الاصطناعي في تحليل الطفرات وتحديد البروتينات المتحورة المرتبطة بالسرطان، في هذه المرحلة تُستخدم أدوات متقدمة في البيولوجيا الحاسوبية مثل أنظمة التنبؤ ببنية البروتينات وتحليل الطفرات.
كما أضاف أن “النماذج اللغوية الكبيرة مثل ChatGPT أو Grok، فدورها غالبًا ما يكون في المساعدة على صياغة التصميم النظري أو تنظيم المعرفة العلمية وليس إجراء الحسابات البيولوجية الدقيقة نفسها، بمعنى آخر، هذه النماذج تعمل ك مساعد بحثي معرفي أكثر من كونها محركًا علميًا مباشرًا للتصميم الجزيئي”.
الخطوة الأكثر أهمية
وشدد على أن ” الأمر الأكثر أهمية تقنيًا هو الخطوة التالية: تصنيع اللقاح باستخدام تقنية الجسيمات النانوية الدهنية (Lipid Nanoparticles)، وهي نفس التقنية المستخدمة في بعض لقاحات mRNA الحديثة، هذه المرحلة تتطلب مختبرات متخصصة وخبرة علمية كبيرة، ولا يمكن تنفيذها عبر الذكاء الاصطناعي وحده.
هذا واعتبر أن هذه القصة تكشف 3 اتجاهات مهمة في مستقبل التكنولوجيا الطبية، أولًا تسارع الطب الشخصي، حيث يمكن تصميم علاجات مخصصة بناءً على الجينوم الفردي للمريض، وثانيًا تحول الذكاء الاصطناعي إلى أداة بحث علمي تساعد الأفراد والباحثين على الوصول إلى تحليلات كانت تتطلب فرقًا علمية كاملة في السابق، وثالثاً المعرفة العلمية، إذ أصبح من الممكن لغير المتخصصين نسبيًا استخدام أدوات متقدمة لاستكشاف حلول طبية،
إلا أنه ختم مشدد على ضرورة التأكيد على نقطة جوهرية وهي أن النجاح في حالة فردية لا يعني وجود علاج مؤكد أو قابل للتعميم، فتطوير لقاحات أو علاجات للسرطان يتطلب عادة سنوات من التجارب السريرية الصارمة لضمان السلامة والفعالية. واعتبر أن ” القراءة التقنية المتوازنة لهذه القصة لا تفيد بأن الذكاء الاصطناعي اخترع علاجًا للسرطان، بل أصبح شريكًا قويًا في تسريع البحث الطبي، وهو ما قد يغيّر مستقبل تطوير الطب والأدوية خلال العقد القادم”.



