
كتبت الإعلامية د. علا القنطار – من العاصمة الفرنسية باريس
في مشهدٍ انتخابيٍّ حافلٍ بالدلالات السياسية، جاءت نتائج الانتخابات البلدية في فرنسا لعام 2026 لتُعيد رسم ملامح التوازنات الداخلية، قبل عام واحد فقط من الاستحقاق الرئاسي المرتقب.
هذا الاستحقاق، الذي جرى على مرحلتين في 15 و22 آذار، شمل نحو 35 ألف بلدية فرنسية، وشكّل اختبارًا حقيقيًا لقوة الأحزاب التقليدية وصعود التيارات الجديدة، ولا سيما اليمين المتطرف.
أولاً: تراجع زخم اليمين المتطرف في المدن الكبرى
رغم التوقعات التي سبقت الانتخابات، أخفق حزب “التجمع الوطني” اليميني المتطرف في تحقيق اختراقات حاسمة داخل المدن الكبرى مثل باريس ومرسيليا وتولون، ما شكّل ضربةً لصورة تقدّمه السريع على المستوى الوطني.
ومع ذلك، تمكن الحزب من تسجيل حضور لافت في المدن الصغيرة والمتوسطة، محققًا مكاسب بلدية وتوسّعًا في عدد المجالس المحلية، ما يؤكد أنه لا يزال لاعبًا أساسيًا في المشهد السياسي الفرنسي.
ثانياً: اليسار يحافظ على معاقله الأساسية
في المقابل، نجح الحزب الاشتراكي وحلفاؤه في تثبيت مواقعهم داخل المدن الكبرى، حيث فاز المرشح الاشتراكي إيمانويل غريغوار برئاسة بلدية باريس، محافظًا على هيمنة اليسار في العاصمة منذ أكثر من عقدين.
كما حافظ اليسار على حضوره في مدن رئيسية أخرى، رغم بعض الخسائر في معاقل تقليدية، ما يعكس حالة من التوازن داخل هذا المعسكر بين التماسك والانقسام.
ثالثاً: صعود نسبي للتيار الوسطي
اللافت في هذه الانتخابات كان الأداء الأفضل من المتوقع للتيار الوسطي المرتبط بالرئيس إيمانويل ماكرون، حيث تمكن من تحقيق اختراقات في عدد من المدن، مستفيدًا من تحالفات محلية مرنة.
كما عزز رئيس الوزراء السابق إدوار فيليب موقعه السياسي بعد إعادة انتخابه في مدينة لوهافر، ما يجعله أحد أبرز الأسماء المطروحة للانتخابات الرئاسية المقبلة.
رابعاً: مشهد سياسي منقسم وتحالفات متحركة
أظهرت النتائج أن التحالفات الانتخابية كانت العامل الحاسم في عدد كبير من البلديات، خصوصًا في الجولة الثانية، حيث لجأت الأحزاب إلى دمج لوائحها لتعزيز فرص الفوز.
كما برزت انقسامات داخل اليسار، خاصة بين الاشتراكيين وحزب “فرنسا الأبية”، ما أثّر على نتائجهما في بعض المدن.
خامساً: دلالات سياسية نحو انتخابات 2027
تؤكد هذه الانتخابات أن فرنسا تتجه نحو مشهد سياسي أكثر تعقيدًا وتعددية، حيث لم يتمكن أي طرف من فرض هيمنة مطلقة.
فاليمين المتطرف لم يحقق الاختراق المنتظر، واليسار حافظ على معاقله دون توسع كبير، فيما برز التيار الوسطي كلاعب توازني قادر على ترجيح الكفة.
في المحصلة، لم تُنتج الانتخابات البلدية في فرنسا فائزًا مطلقًا، بل كرّست 7th سياسيًا متشظيًا، عنوانه الأساسي: التوازن الهش.
وإذا كانت هذه النتائج تُقرأ اليوم على مستوى البلديات، فإن انعكاساتها الحقيقية ستظهر في السباق نحو قصر الإليزيه، حيث بدأت معالم المعركة الرئاسية تتبلور مبكرًا، على وقع رسائل صناديق الاقتراع.



