إسرائيل تدفع نحو “حزام أمني”… هل يعود الجنوب إلى ما قبل الـ 2000؟

في وقت تتصاعد فيه العمليات العسكرية على الجبهة الجنوبية، تكشف المعطيات الميدانية عن محاولة إسرائيل فرض واقع أمني جديد داخل الأراضي اللبنانية، عبر توسيع عملياتها البرية بهدف إنشاء منطقة عازلة تُبعد تهديد حزب الله عن مستوطنات الشمال.

وبحسب تقرير للصحافية فيليز سولومون في “وول ستريت جورنال”، يعيش سكان المناطق الحدودية في شمال إسرائيل حالة استنفار دائم، حيث باتت صفارات الإنذار لا تسبق سقوط الصواريخ إلا بثوانٍ معدودة، في ظل استمرار الهجمات من جنوب لبنان.

ويصف التقرير بلدة كفار جلعادي القريبة من الحدود بأنها “مدينة أشباح”، حيث يلتزم السكان البقاء بالقرب من الملاجئ، في وقت لا يتوقف فيه القصف المدفعي الإسرائيلي باتجاه الأحراج اللبنانية المقابلة.

ورغم المخاطر، يرفض العديد من السكان مغادرة منازلهم، معتبرين أن وجودهم جزء من منظومة الأمن.

وتقول ناتاشا أمير، وهي من سكان المنطقة: “نريدهم أن ينهوا هذا الأمر كي نشعر بالأمان… طالما حزب الله موجود، فهذا ما سيحدث”.

وكانت السلطات الإسرائيلية قد أخلت نحو 65000 شخص من المناطق الحدودية بعد هجوم 7 تشرين الأول 2023، خشية تكرار سيناريو مشابه من قبل حزب الله، ما أثار جدلًا داخليًا حول كلفة هذا القرار وتأثيره على ثقة السكان بالدولة.

ومع عودة تدريجية للسكان، باتت الحياة اليومية في الشمال مرتبطة بحسابات الخطر، حيث يضطر السكان للتخطيط لتحركاتهم بعناية، وسط تهديد دائم بالصواريخ.

في المقابل، يعمل الجيش الإسرائيلي على تنفيذ استراتيجية تقوم على إنشاء “حزام أمني” داخل جنوب لبنان، من خلال التوغل البري، وتمركز القوات في نقاط مرتفعة، إضافة إلى استهداف البنية التحتية التي يقول إنها تُستخدم لنقل السلاح.

ويؤكد التقرير أن هذه العمليات تأتي في سياق أوسع من التصعيد، حيث أطلق حزب الله صواريخ وطائرات مسيّرة باتجاه إسرائيل بعد الضربات الأميركية – الإسرائيلية على إيران، ما دفع إسرائيل إلى تنفيذ أوسع هجوم لها ضد الحزب منذ 20 عامًا.

وفي الميدان، توغلت القوات الإسرائيلية داخل الأراضي اللبنانية، حيث نفذت عمليات تفتيش للمنازل، وأقامت مواقع دفاعية متقدمة، في إطار خطة تهدف إلى إفراغ المنطقة جنوب نهر الليطاني، الذي يُفترض أن يكون منطقة منزوعة السلاح وفق ترتيبات تشرف عليها قوات “اليونيفيل”.

ويواجه هذا التوجه تحديات ميدانية وعسكرية، إذ لا يزال حزب الله يحتفظ بقدرات صاروخية مؤثرة، حيث كان يمتلك قبل حرب 7 تشرين الأول نحو 75000 صاروخ وقذيفة، بقي منها نحو الثلث عشية المواجهة الحالية، بحسب تقديرات إسرائيلية.

وتتنوع هذه الترسانة بين صواريخ قصيرة ومتوسطة المدى (50 إلى 130 ميلاً)، إضافة إلى صواريخ بعيدة المدى مثل “فاتح 110” الإيرانية (200 ميل)، وربما صواريخ “سكود-دي” القادرة على حمل رؤوس حربية تزن 1100 رطل لمسافة تصل إلى 400 ميل.

كما يشكّل خطر الصواريخ المضادة للدروع، مثل “كورنيت” و”ألماس”، أحد أبرز التهديدات، نظرًا لدقتها وسرعة وصولها، ما يجعل اعتراضها أكثر صعوبة مقارنة بالصواريخ بعيدة المدى.

ويرى مسؤولون وخبراء أن إسرائيل تحظى حاليًا بهامش واسع من التحرك في لبنان، في ظل تركيز واشنطن على المواجهة مع إيران، ما يمنحها “حرية عمل” أكبر على الجبهة الشمالية.

في المحصلة، تعكس هذه التطورات محاولة إسرائيل فرض معادلة أمنية جديدة في الجنوب اللبناني، تقوم على إبعاد التهديد بالقوة الميدانية، إلا أن هذا المسار يحمل في طياته خطر الانزلاق إلى احتلال طويل الأمد واستنزاف مفتوح، في جبهة تبقى مرشحة لمزيد من التصعيد.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى