الحازمية تُختبر… والبلدية تنجح

 

منذ اندلاع الحرب، تحولت بلدة الحازمية تدريجياً إلى واحدة من النقاط التي تصدّرت المشهد أكثر من مرة، بحكم موقعها الجغرافي الحساس وقربها من الضاحية الجنوبية. هذا القرب جعلها من أوائل المناطق التي استقبلت أعداداً كبيرة من النازحين، في ظل موجات النزوح الكثيفة التي رافقت التصعيد.

منذ الأمس، برز اسم الحازمية بشكل لافت، ليس فقط بسبب ثقلها في ملف النزوح، بل أيضاً على خلفية عملية الاغتيال التي طالت شخصاً داخل أحد المباني، ما جعل البلدة محور متابعة لدى وسائل الإعلام.

لكن، بعيداً عن الصورة الإعلامية التي غالباً ما تركز على الحدث الأمني، يبرز في الحازمية نموذج مختلف في إدارة الأزمات، تقوده البلدية برئاسة جان الأسمر. فمنذ اليوم الأول، تعاملت البلدية مع ملف النازحين بمقاربة مزدوجة تجمع بين البعد الإنساني والبعد التنظيمي الأمني، في محاولة لضبط التوازن في واحدة من أصعب المراحل.

على المستوى الإنساني، فتحت الحازمية أبوابها أمام النازحين من مختلف المناطق والانتماءات، من دون أي تمييز طائفي أو مناطقي، إدراكاً منها أن النزوح لا يختصر بفئة دون أخرى. هذا التعاطي ساهم في تخفيف جزء من المعاناة، وأعطى صورة عن بلدة قادرة على احتضان الجميع رغم محدودية الإمكانات.

وبالتوازي، لم تُهمل البلدية الجانب الأمني، بل على العكس، أولته أهمية قصوى. فقد كثّفت شرطة البلدية دورياتها ليلاً ونهاراً منذ الأيام الأولى، في محاولة لمنع أي فوضى محتملة وضبط الإيقاع العام في البلدة. كما بادرت إلى إجراء إحصاء شامل للنازحين، شمل ما يقارب 90% منهم، مع توثيق دقيق للأسماء والهويات ومناطق الانتماء، وهي خطوة تُعد متقدمة قياساً بإمكانات البلديات المحدودة في ظروف استثنائية كهذه.

الأهم من ذلك، أن كل هذه المعطيات لم تبقَ ضمن إطار البلدية، بل جرى تحويلها بشكل منتظم إلى الأجهزة الأمنية المختصة، التي تتولى بدورها متابعة الملفات واتخاذ الإجراءات اللازمة. وهو ما يؤكد أن بلدية الحازمية لم تتصرف بمعزل عن الدولة، بل ضمن تكامل واضح مع مؤسساتها.

وفي هذا السياق، لا بد من التوضيح أن الحوادث الأمنية التي شهدتها البلدة لا يمكن تحميل مسؤوليتها للبلدية، لا من قريب ولا من بعيد. فدور البلديات، مهما توسّع، يبقى ضمن حدود معينة، فيما تقع المسؤولية الأمنية الأساسية على عاتق الأجهزة المختصة. وما قامت به الحازمية، في ظل الفوضى العامة التي تفرضها الحروب، يمكن اعتباره الحد الأقصى الممكن، بل وربما أكثر.

في المحصلة، وبين ضغط النزوح وتحديات الأمن، قدّمت الحازمية نموذجاً لبلدة حاولت أن توازن بين الإنسانية والانضباط، وأن تدير أزمة معقّدة بأدوات محدودة ولكن بعقلية منظمة. وربما لهذا السبب، لم يكن حضورها في الإعلام محصوراً فقط بالأحداث، بل أيضاً بالطريقة التي واجهت بها هذه الأحداث.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى