
اعداد الكاتب احمد الثقفي
تحرير عبير بركات
تُعدّ “الهبّة” أو ما يُعرف حديثًا بـ”الترند” إحدى أبرز الظواهر الثقافية والاجتماعية في العصر الرقمي، فهي لم تعد مجرد موجة عابرة من التقليد، بل تحوّلت إلى قوة مؤثرة تعيد تشكيل الذوق العام وتؤثر في بناء الهوية الفردية والجماعية لدى الشباب. تنتشر هذه الظاهرة بسرعة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، لتشمل أنماط السلوك، واللباس، واللغة، بل وحتى طرق التفكير والتفاعل مع الواقع.
لم تعد الموضة مقتصرة على الأزياء، بل أصبحت منظومة ثقافية متكاملة، تُنتج نماذج جاهزة للعيش والتعبير، وتفرض حضورها من خلال ضغط اجتماعي غير مباشر يدفع الأفراد إلى التماهي مع الجماعة، خشية العزلة أو فقدان القبول.
تُفهم “الهبّة” في سياقها الحديث بوصفها موجة مؤقتة من الاهتمام أو السلوك، تنتشر بسرعة مدفوعة بثلاثة عوامل رئيسية: وسائل التواصل الاجتماعي، وتأثير المؤثرين والمشاهير، والرغبة العميقة لدى الشباب في الانتماء وعدم الاختلاف. وتشير الدراسات إلى أن نسبة كبيرة من الشباب تتأثر بسلوكيات من يتابعونهم، مما يجعل التقليد أحد أبرز محركات انتشار الترند.
هذا التأثير لا يقف عند حدود الشكل، بل يمتد إلى العمق النفسي والسلوكي والفكري. نفسيًا، تمنح الهبّات شعورًا مؤقتًا بالانتماء، لكنها تزرع في المقابل قلقًا دائمًا من فقدان “المواكبة”، وتجعل القيمة الذاتية مرتبطة بردود فعل الآخرين. سلوكيًا، تدفع إلى تقليد أفعال دون تحليل، وتُسهم في تبنّي أنماط لا تتوافق دائمًا مع القيم الشخصية. أما فكريًا، فتُعزز انتشار الثقافة السطحية السريعة، وتُضعف القدرة على التمييز بين المفيد والضار، مع الاعتماد المتزايد على الرأي الجماعي بدل التفكير الفردي.
في السياق الأسري، تفرض هذه الظاهرة تحديات تربوية عميقة. فالأبناء باتوا يتلقّون منظومة القيم من المنصات الرقمية أكثر من الأسرة، مما يخلق فجوة في التوجيه والتأثير. ويتجلى صراع الأجيال في اختلاف النظرة إلى الترند، فبينما يراه الآباء انحرافًا عن الثوابت، يراه الأبناء مواكبة للعصر. كما تغيّرت معايير التربية، لتتحول من ترسيخ القيم إلى البحث عن القبول الاجتماعي، وظهرت أنماط جديدة للنجاح ترتبط بالشهرة الرقمية. ويزداد الأمر تعقيدًا مع الاستهلاك المفرط الناتج عن ملاحقة كل ما هو رائج، مما يشكل ضغطًا اقتصاديًا على الأسرة.
وعند استعراض أبرز الهبّات المنتشرة، نجد تنوعًا واسعًا يعكس طبيعة العصر. في السلوك اليومي يظهر تصوير روتين الحياة، وتحديات المنصات، والمقاطع القصيرة، ومشاركة التفاصيل الشخصية، وتقليد المشاهير. وفي الموضة تبرز الملابس الواسعة، والأحذية الضخمة، والأنماط الكورية، والموضة السريعة. أما في الجانب التقني، فيبرز استخدام الذكاء الاصطناعي في الصور، والفلاتر، والبث المباشر، والألعاب الجماعية. وفي الجانب اللغوي والثقافي، تنتشر المصطلحات المختصرة، ولغة الإيموجي، وثقافة “اللايك أهم من المحتوى”.
ومع تطور الظاهرة، ظهرت موجة جديدة أكثر غرابة، مثل شرب المشروبات داخل أوعية غير تقليدية كالأكياس والحقائب، وتصوير الأكل بشكل استعراضي، وتجربة أشياء غريبة فقط من أجل الانتشار، وارتداء ملابس غير منسجمة لإثارة الجدل، وتحويل أي لحظة عادية إلى محتوى، بل وحتى تعمد الغموض أو الصدمة لجذب الانتباه. هذه الهبّات لا تبحث عن المعنى بقدر ما تبحث عن الانتشار.
وفي هذا السياق، يبرز مثال لافت يتمثل في بيع كيس بلاستيكي شفاف بسعر يصل إلى 1700 دولار، وهو نموذج يوضح بجلاء كيف تغيّرت معايير القيمة. فالسعر هنا لا يعكس قيمة المادة، بل قيمة الرمز. فبعض دور الأزياء لا تبيع منتجًا بقدر ما تبيع فكرة وهوية، حيث يتحول الكيس البسيط إلى قطعة “تصميم” تحمل اسمًا فاخرًا، وتُسوّق ضمن مفهوم الندرة المصطنعة، ما يرفع قيمتها السوقية.
كما تلعب ثقافة التميز دورًا مهمًا، فكلما كان المنتج أكثر غرابة، زادت قابليته للانتشار. ويُستخدم التسويق القائم على الصدمة لخلق حالة من الجدل، تتحول إلى دعاية مجانية. ويُضاف إلى ذلك البعد النفسي، حيث يسعى بعض المستهلكين إلى شراء هذه المنتجات لإثبات القدرة المالية أو الانتماء إلى طبقة معينة. وهنا يتحول الشيء العادي إلى رمز، تمامًا كما في الفن المعاصر، حيث لا تُقاس القيمة بالمادة، بل بالدلالة.
وبين هذا وذاك، لا يمكن الحكم على الهبّات بأنها ظاهرة سلبية بالكامل، فهي في جانبها الإيجابي تُسهم في نشر المعرفة، وتعزيز الإبداع، وفتح فرص اقتصادية جديدة. إلا أن الخطر يظهر عندما تتحول إلى سلوك قطيعي يفقد فيه الفرد هويته، ويصبح تابعًا لذوق جماعي متغير.
إن التحدي الحقيقي يكمن في تحقيق التوازن، عبر تعزيز الوعي الإعلامي، وترسيخ قيمة الاختيار الواعي، وتقوية دور الأسرة بالحوار، وتوجيه الترند نحو محتوى هادف. فالترند في جوهره مرآة لتحولات المجتمع، لكنه في الوقت ذاته اختبار لقدرتنا على التمييز بين ما يضيف إلينا وما ينتقص منا.
وفي نهاية المطاف، يبقى السؤال الأهم: هل نصنع ذوقنا بأنفسنا، أم نكتفي بتقليد ما يُعرض أمامنا؟ والإجابة عن هذا السؤال هي التي تحدد شكل الهوية في زمن أصبحت فيه القيمة تُقاس بمدى الانتشار، لا بعمق المعنى.
#الترند
#الهبات
#الوعي_الاعلامي
#الشباب
#الاسرة
#الثقافة_الرقميةف



