زاريه باريكيان- ما نشهده اليوم هو انتقال تدريجي نحو نموذج جديد من الصراعات

 

بقلم: زاريه باريكيان

لم يعد من الممكن قراءة التصعيد القائم في الشرق الأوسط كحدث عسكري تقليدي أو مواجهة محدودة يمكن احتواؤها ضمن قواعد الاشتباك السابقة. ما نشهده اليوم هو انتقال تدريجي نحو نموذج جديد من الصراعات: صراع مفتوح بلا حسم، تُدار فيه المواجهة بقدر ما يُدار فيه التوازن.

اللافت في هذا المشهد أن الأطراف المنخرطة، سواء الولايات المتحدة أو إسرائيل أو إيران، لا تتحرك نحو الحسم بقدر ما تتحرك ضمن هامش محسوب من التصعيد. هذا يعني أن ما يُسمّى “الانفجار الكبير” ليس هدفًا مباشرًا لأي طرف، بل هو احتمال يُستخدم كأداة ضغط، وليس كنقطة نهاية.

في المقابل، تكشف التطورات أن مفهوم “الردع” لم يعد أحادي الاتجاه. لم تعد القوة العسكرية وحدها كافية لفرض المعادلات، بل أصبحت القدرة على امتصاص الضربات وإعادة إنتاج التوازن جزءًا أساسيًا من اللعبة. وهذا ما يفسّر تحوّل المواجهة إلى حالة ممتدة، لا غالب فيها ولا مغلوب، بل كلفة متصاعدة على الجميع.

اقتصاديًا، يقف العالم أمام نقطة حساسة. أي تهديد لممرات الطاقة الحيوية، وعلى رأسها مضيق هرمز، لا ينعكس فقط على أسعار النفط، بل على بنية الاستقرار العالمي ككل. نحن أمام معادلة واضحة: الاقتصاد العالمي أصبح رهينة التوتر الجيوسياسي، وليس العكس كما كان في مراحل سابقة.

أما على مستوى موازين القوى الدولية، فالمشهد يتجه بوضوح نحو تكريس واقع متعدد الأقطاب. لم تعد الولايات المتحدة اللاعب الوحيد القادر على فرض إيقاع النظام الدولي، بل باتت هناك قوى تستفيد من هذا الاستنزاف غير المباشر، وفي مقدمتها روسيا، التي تجد في هذا الانشغال فرصة لإعادة تثبيت موقعها الاستراتيجي، سواء في ملف الطاقة أو في توازناتها مع أوروبا.

إقليميًا، يفرض الخليج العربي نفسه اليوم كركيزة توازن لا كطرف في الصراع، وكقوة واثقة من موقعها لا تنتظر تعريفًا من أحد. في لحظة تعصف فيها الفوضى بكثير من المعادلات، اختارت دول الخليج أن تكتب نهجها الخاص: سيادة لا تُساوَم، قرار مستقل لا يُنتزع، وحضور يُفرض بالفعل لا بالشعارات.

لم تنزلق هذه الدول إلى استعراض القوة الفارغ، بل قدّمت نموذجًا مختلفًا للقوة: قوة هادئة، عميقة، تعرف متى تتحرك ومتى تكتفي بإعادة رسم المشهد من موقع الثبات. فالحكمة هنا ليست تردّدًا، بل شكل متقدّم من أشكال السيطرة، حيث تُدار التوازنات بعقل حكيم وإرادة صلبة.

وفي زمن تتبدّل فيه التحالفات بسرعة، أثبت الخليج أنه ليس ساحة لتصفية الحسابات، بل مركز ثقل إقليمي يُحسب له حساب في معادلات الأمن والطاقة والاقتصاد. لا يخضع لمحور، ولا يُستدرج إلى صراع، بل يفرض شروطه كشريك كامل السيادة والقرار، حاضر بقوة، وفاعل في رسم ملامح المرحلة المقبلة.

أما لبنان، فيقف في موقع بالغ الهشاشة. الخطر لا يكمن فقط في امتداد الصراع إليه، بل في عجزه الداخلي عن إنتاج موقف موحد أو رؤية سياسية قادرة على التعامل مع مرحلة بهذا التعقيد. الانقسام لم يعد تفصيلًا داخليًا، بل تحوّل إلى عنصر ضعف بنيوي يضاعف من كلفة أي تطور إقليمي.

في المحصلة، نحن أمام مرحلة لا تُقاس بنتائج المعارك، بل بكيفية إدارة التوازنات. لا حرب شاملة في الأفق القريب، لكن لا استقرار أيضًا. صراع طويل، مكلف، ومفتوح على احتمالات متعددة، حيث يكمن الخطر الحقيقي ليس في الانفجار، بل في استمرار هذا النزيف البطيء الذي يعيد تشكيل العالم بصمت.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى