“كل مرة نحاول… تنهار حياتنا”: قصة حب في زمن الحرب

ينهض الشباب صباحًا في بيروت، لا ليعيشوا، بل ليؤجّلوا انهيارهم يومًا إضافيًا. يتحرّكون في مدينة تتآكل من الداخل، يلاحقون أعمالًا لا تكفي، ويدفعون كلفة حياة تتجاوز قدرتهم، فيما الحرب لم تعد احتمالًا، بل واقعًا قائمًا، حيث تتواصل المواجهات بين “حزب اللّه” وإسرائيل، وتفرض إيقاعها على تفاصيل الحياة اليومية.

في هذا المشهد، لم تعد الأزمة الاقتصادية وحدها ما يثقل كاهل اللبنانيين، بل تداخلت مع واقع عسكريّ قائم، يجعل من كلّ يوم تجربة هشة قابلة للانفجار. لا خطط واضحة، لا استقرار فعلي، ولا مساحة آمنة يمكن الركون إليها.

في لبنان، لا يُعاش الحاضر بوصفه طريقًا إلى المستقبل، بل كحالة نجاة مستمرّة. المستقبل لم يعد مشروعًا يُبنى، بل عبئًا مؤجّلًا في بلد يعيش حربًا مفتوحة وانهيارًا بلا سقف.

الاقتصاد تحت الضغط… والحرب في الخلفية

منذ عام 2019، تحوّل الانهيار الاقتصادي في لبنان إلى واقع بنيويّ يعيد تشكيل الحياة اليومية. الدخل الشهري، الذي يتراوح بين 200 و 500 دولار، بات غير كافٍ لتغطية الحدّ الأدنى من تكاليف المعيشة، التي تتجاوز 600 دولار للفرد الواحد.

مع تصاعد المواجهات العسكرية على الحدود، يتداخل الانهيار المالي مع تهديد أمني مباشر، يجعل أي محاولة للتخطيط للمستقبل أشبه بمقامرة مفتوحة.

يقول الخبير الاقتصادي د. سامر خوري لـ “نداء الوطن”: “في بيئة تتآكل فيها القدرة الاقتصادية وتتقلّب أسعار السلع الأساسية يوميًا، وتترافق مع واقع عسكريّ مفتوح على الحدود الجنوبية، يفقد الأفراد الحدّ الأدنى من الاستقرار اللازم للتخطيط. لا يمكن للشباب أن يفكّروا في شراء منزل، الزواج، أو الادّخار، لأن كلّ خطوة تحمل مخاطرة حقيقية. المستقبل، في هذه الظروف، لا يُبنى، بل يُؤجَّل باستمرار، ويصبح مجرّد فكرة نظرية أكثر من كونه أفقًا عمليًا. الأزمة الاقتصادية والحرب معًا تجعلان أي مشروع طويل الأمد شبه مستحيل، بينما يُجبر الناس على التركيز على النجاة اليومية فقط”.

حكاية الزواج المؤجّل: ليلى وخطيبها

ليلى (28 عامًا) مخطوبة منذ خمس سنوات، وخطتها للزواج انهارت مع تدهور الوضع الاقتصادي وتصاعد التوتر العسكري. كلّ خططها كانت واضحة قبل الأزمة: تحديد تاريخ الزفاف، حجز مكان الاحتفال، تجهيز شقتها المستقبلية. لكن اليوم، كل شيء يبدو بعيدًا ومستحيلًا.

“كل مرة نحاول جمع المال للزفاف، تأتي أخبار عن صواريخ أو تحركات عسكرية، وتنهار كل خططنا. الزواج أصبح مجرّد فكرة، لا أكثر. أحيانًا أشعر أن حياتنا كلّها معلّقة في الهواء، مجرد انتظار لما قد يحدث”.

خطيبها، الذي فقد أي شعور بالأمان، يضيف لـ “نداء الوطن”: “حتى لو جمعنا المال، لا يمكننا تجاهل الخطر اليومي. كيف نبني حياة مشتركة في بلد يعيش حربًا فعلية؟ كل شيء أصبح رهينة اللحظة. أصحو كل صباح وأفكر: هل يمكن أن نكمل يومنا بأمان؟ هذا القلق يسيطر على كل تفاصيل حياتنا، حتى على الحب نفسه”.

رحلة البحث عن سكن

جاد (34 عامًا)، مهندس، يعيش في غرفة ضيّقة بمنزل أهله في بيروت. حلمه الاستقلال بشقة صغيرة أصبح بعيد المنال مع ارتفاع الإيجارات وانعدام القروض السكنية. كل صباح يبدأ رحلة بحث جديدة، تنتهي غالبًا بخيبة أمل.

“أذهب إلى وكالات العقارات، أرى شققًا غالية أو متهالكة، أعود إلى غرفتي الصغيرة وأشعر بالاحتجاز. أرخص إيجار لشقة لائقة حوالى 400 دولار، والنصف الباقي من راتبي بالكاد يكفي للأكل والكهرباء. ومع تواتر أخبار التوتر العسكري على الحدود، أشعر أن أيّ خطوة نحو الاستقلال قد تكون مغامرة محفوفة بالمخاطر”.

جاد يصف شعوره بالضغط المستمرّ: “حتى غرفتي الصغيرة لا تمنحني شعور الأمان. أصوات الطائرات، الانفجارات أو التحذيرات الأمنية تجعلني أعود دائمًا إلى نقطة الصفر. أشعر وكأن الحرب والغلاء يتعقبانني أينما ذهبت، حتى في أحلامي”.

العمل بلا جدوى

محمود (30 عامًا) يعمل في وظيفتين، ساعات عمله الطويلة لا تمنحه إلّا القليل من الأمان المالي، لكنه يشعر بالعجز الكامل تجاه المستقبل، يقول في تصريح لـ “نداء الوطن”: “أعمل أكثر من أي وقت مضى، لكنني لا أستطيع أن أتقدّم خطوة. كلّ ما أفعله الآن هو محاولة للبقاء. كلّ تعبنا يذهب لتغطية الأسعار المرتفعة وفقدان القدرة على الادّخار، ومع استمرار الحرب، يصبح كل شيء هشًا”.

ويضيف: “العمل لم يعد وسيلة لبناء حياة مستقرة، بل مجرد وسيلة لتأجيل الانهيار. حتى المخاطر النفسية تتضاعف، كلّ صباح أستيقظ وأفكر: هل سأتمكّن من دفع إيجار الغد؟ هل ستنقطع الكهرباء أو الوقود؟ هل ستتفاقم التوترات على الحدود؟ هذا القلق يسيطر على كلّ لحظة من حياتي”.

أمّا سامي (26 عامًا) فيستعدّ لمغادرة لبنان بحثًا عن الأمان والفرص. الرحلة لم تكن قرارًا سهلًا، بل نتيجة تراكم سنوات من الضغوط الاقتصادية والخطر العسكري.

“لم يعد البقاء منطقيًا. في بلد يجمع بين الانهيار الاقتصادي والحرب المفتوحة، تصبح المغادرة الخيار الوحيد للبقاء على قيد الحياة”.

ويصف سامي تحضيره للرحيل: “أبيع بعض أغراضي، أجهز أوراقي، أودّع أهلي. الهجرة ليست رفاهية، بل ضرورة للبقاء. هي وسيلتي الوحيدة لاستعادة شعور بسيط بالأمان، وربّما فرصة لبناء مستقبل”.

ويضيف: “لسنا جيلًا بلا أحلام، بل جيلًا حُرم من فرصة تحقيقها. كل شيء أصبح صعبًا: الزواج، الاستقلال، العمل، حتى التخطيط للمستقبل. نعيش في يوميات ثقيلة، تحت ضغط اقتصادي وحرب لا تنتهي، الحياة في لبنان اليوم ليست حياة، بل محاولة مستمرّة لتأجيل الانهيار. كل خطوة محسوبة، وكل قرار مرتبط بالخوف. هذا الجيل لم يُعطَ فرصة ليعيش بحرية وكرامة”.

الحياة المؤجّلة تحت الضغط المزدوج

في لبنان، لا ينهار الاقتصاد وحده، بل ينهار معه الإحساس بالمستقبل. بين حرب مفتوحة وضغط معيشي خانق، يعيش جيل كامل في حالة انتظار مستمرّ، حيث تُؤجَّل القرارات، وتُجمَّد الأحلام، وتُختزل الحياة في يوميات مثقلة بالخوف.

لم يعد السؤال: ماذا سيحدث غدًا؟، بل: هل ما نعيشه اليوم… هو حياة أصلًا؟

نداء الوطن

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى