
في المحطّة الثالثة من زيارته الرعويّة إلى جنوب لبنان، وصل صاحب الغبطة والنيافة الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي إلى بلدة القليعة، حيث ترأّس الذبيحة الإلهية وسط أجواءٍ روحيةٍ مؤثّرة وحضورٍ كنسيّ وشعبيّ وبلديّ، عكس تمسّك أبناء المنطقة بأرضهم وإيمانهم رغم الجراح والقلق والتحديات.
وقد اكتسبت هذه المحطّة بُعدًا كنسيًا ووجدانيًا خاصًا، مع تلاوة رسالة قداسة البابا لاون الرابع عشر إلى أبناء الجنوب، والتي قرأها الأب فادي تابت، أمين السرّ العام للبطريركية المارونية، ونقل فيها البابا قربه الأبوي من أبناء هذه الأرض، وتضامن الكنيسة الجامعة معهم في آلامهم ومعاناتهم.
وشدّدت الرسالة البابوية على أنّ أبناء الجنوب ليسوا منسيّين، وأنّ الكنيسة تحملهم في صلاتها وفي قلبها، مؤكّدةً أنّ عيد الفصح، رغم الحزن والخوف والدمار، يبقى إعلانًا لانتصار الحياة على الموت، والنور على الظلمة، والرجاء على اليأس. كما نوّهت الرسالة بما يُظهره أبناء هذه الأرض من إيمانٍ وصبرٍ وتضامنٍ وثبات، معتبرةً أنّ صلاتهم وشهادتهم محفوظتان في قلب الكنيسة.
وفي عظته، انطلق صاحب الغبطة من سؤال يسوع لبطرس: «يا سمعان بن يونا، أتحبّني؟… ارعَ خرافي»، ليؤكّد أنّ جوهر الرسالة المسيحية هو المحبة التي تُترجَم خدمةً وشهادةً وثباتًا، وأنّ هذا السؤال موجّه إلى كل مؤمن مدعوّ إلى أن يحمل محبة المسيح إلى الناس في موقعه ومسؤوليته.
كما توقّف غبطته عند شهادة الخوري بيار الراعي، معتبرًا أنّه شهيد الواجب الكهنوتي الذي عاش لأجل رعيته حتى النهاية، وجاءت الكنيسة اليوم لتعزّي القلوب وتقول إنّ من عاش للمسيح لا يُختَزل بالموت، بل يبقى حيًّا في ذاكرة الكنيسة وشعبه.
وشدّد البطريرك الراعي على أنّ الكنيسة جاءت إلى القليعة لتعبّر عن محبة المسيح، ولتحمل العزاء، ولتصلّي من أجل الشهداء والمتألّمين والسلام، مؤكدًا أنّ الإنسان بلا أرضٍ يصبح يتيمًا، ومجدّدًا تمسّك أبناء الجنوب بأرضهم وتاريخهم وكرامتهم.
وختم غبطته بالتشديد على أنّ لبنان لا يموت، لأنّه وطنٌ محمولٌ بالصلاة، ومُحاطٌ بشفاعة سيدة لبنان وقديسي هذا الوطن، في موقفٍ لامس وجدان الحاضرين، واختصر معنى هذه المحطة:
رسالةُ البابا تقول للجنوب: لستم وحدكم،
وصوتُ البطريرك يردّد من القليعة: نحن باقون… ولبنان لا يموت.




