الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان في لبنان تطالب بعقد جلسة طارئة لمجلس حقوق الإنسان في جنيف

 

في ظلّ التصعيد الخطير وغير المسبوق في الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان في لبنان، أعلنت الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان، المتضمّنة لجنة الوقاية من التعذيب، أنها وجّهت كتاباً عاجلاً إلى دولة رئيس مجلس الوزراء القاضي نواف سلام، تطلب فيه اتخاذ إجراءات فورية للتحرّك على المستوى الدولي، عبر الدعوة إلى عقد جلسة طارئة لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في جنيف.

وأكدت الهيئة أن هذا الطلب يأتي استجابةً للوقائع الميدانية المتصاعدة التي تشهدها مختلف المناطق اللبنانية، والتي تُنذر بتدهور خطير في أوضاع حقوق الإنسان، وبخاصة في ظلّ استمرار العمليات العسكرية التي طالت مناطق مدنية مكتظة بالسكان، وأدّت إلى سقوط أعداد كبيرة من الضحايا المدنيين، بينهم أطفال ونساء، إضافة إلى تدمير واسع للبنى التحتية الأساسية.

وأوضحت الهيئة في كتابها أن مسؤولية الدولة اللبنانية، في إطار التزاماتها الدولية، تستوجب التحرّك الفوري لتفعيل آليات المساءلة الدولية، ولا سيما من خلال مجلس حقوق الإنسان، الذي يملك ولاية واضحة للتعامل مع الحالات الطارئة والانتهاكات الجسيمة والمنهجية.

وفي هذا السياق، دعت الهيئة الحكومة اللبنانية إلى تكليف البعثة الدائمة للجمهورية اللبنانية لدى الأمم المتحدة في جنيف بالتحرّك الدبلوماسي العاجل، والعمل على حشد الدعم الدولي لعقد جلسة استثنائية لمجلس حقوق الإنسان، بهدف وضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته القانونية والأخلاقية تجاه ما يجري في لبنان.

كما طلبت الهيئة من البعثة اللبنانية العمل على تبنّي مشروعَي قرار خلال هذه الجلسة الطارئة، يشكّلان إطاراً متكاملاً للمساءلة والحماية.

ويتمثّل القرار الأول في إنشاء لجنة تحقيق دولية مستقلة بشأن لبنان، تكون مهمتها التحقيق في جميع الانتهاكات والتجاوزات المزعومة لحقوق الإنسان، وانتهاكات القانون الدولي الإنساني، والجرائم بموجب القانون الدولي، المرتكبة من قبل جميع الأطراف منذ 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، بما في ذلك تصاعد الأعمال العدائية الأخيرة، وذلك بهدف توثيق الوقائع وتحديد المسؤوليات وضمان عدم الإفلات من العقاب.

وينصّ مشروع القرار، وفق ما اطّلعت عليه الهيئة، على أن تكون هذه الآلية الدولية مستقلة ومحايدة ومزوّدة بالموارد الكافية، وأن تتولى جمع الأدلة وتحليلها، وتحديد المسؤوليات الفردية حيثما أمكن، والعمل على حفظها وفق أعلى المعايير الدولية، بما يتيح استخدامها في الإجراءات القضائية الوطنية أو الدولية.

كما يشدّد مشروع القرار على ضرورة إنشاء مستودع مركزي لحفظ الأدلة لدى مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، بما يضمن حماية المعلومات وتيسير استخدامها في مسارات العدالة المستقبلية، إضافة إلى تقديم تقرير دوري إلى مجلس حقوق الإنسان حول التقدّم المحرز.

أما القرار الثاني، فيطالب بالإفراج الفوري وغير المشروط عن جميع المعتقلين اللبنانيين المحتجزين تعسفاً من قبل إسرائيل، والكشف عن مصير ومكان وجود جميع الأشخاص اللبنانيين المفقودين؛ ويدعو إلى اتخاذ تدابير عاجلة لضمان احترام اتفاقيات جنيف والقانون الدولي لحقوق الإنسان في هذا السياق.

وأكدت الهيئة أن اعتماد هذين القرارين من شأنه أن يشكّل خطوة أساسية نحو تعزيز المساءلة الدولية، وردع الانتهاكات، وضمان حماية المدنيين في لبنان، ولا سيما في ظلّ استمرار الإفلات من العقاب عن الانتهاكات الخطيرة.

كما طالبت الهيئة مجلس الوزراء اتخاذ قرار يقضي بتكليف وزارة الخارجية والمغتربين، استناداً إلى الفقرة الثالثة من المادة 12 من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، بتقديم إعلان (Declaration) إلى مسجّل (Registrar) المحكمة الجنائية الدولية بقبول اختصاصها في التحقيق والملاحقة القضائية لجميع الجرائم المرتكبة على الأراضي اللبنانية منذ 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، والتي تدخل ضمن ولايتها القضائية، بما فيها الجرائم التي طالت الصحافيين والمسعفين ومتطوعي الدفاع المدني، على أن تلتزم الحكومة اللبنانية بالتعاون الكامل مع المحكمة وفقاً لأحكام الفصل التاسع من النظام المذكور.

وأشارت الهيئة إلى أنّ الحكومة اللبنانية سبق أن اتخذت قراراً مماثلاً بتاريخ 24 نيسان/أبريل 2024، عقب تعمّد قوات الاحتلال الإسرائيلي قتل الصحافي عصام عبدالله أثناء قيامه بواجبه المهني في 13 تشرين الأول/أكتوبر 2023، إلا أنها عادت وتراجعت لاحقاً عن هذا القرار من دون تقديم أي مبررات أو توضيح للأسباب التي أدت إلى هذا التراجع، وهو ما تراه الهيئة أمراً مريباً ومرفوضاً.

وشدّدت الهيئة على أن حجم ونمط الهجمات الأخيرة، ولا سيما تلك التي وقعت بتاريخ 8 نيسان/أبريل 2026، والتي استهدفت خلال دقائق مناطق واسعة في مختلف أنحاء لبنان، يثيران مخاوف جدية بشأن احترام قواعد القانون الدولي الإنساني، ولا سيما مبادئ التمييز والتناسب والاحتياطات في الهجوم.

كما لفتت إلى أن استهداف الأحياء السكنية والبنى التحتية المدنية، بما في ذلك المرافق الصحية ووسائل الإعلام، يشكّل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي، وقد يرقى إلى جرائم حرب تستوجب التحقيق والمساءلة.

وفي هذا الإطار، دعت الهيئة المجتمع الدولي، ولا سيما الدول الأعضاء في مجلس حقوق الإنسان، إلى تحمّل مسؤولياتهم في حماية حقوق الإنسان، والعمل على دعم الجهود الرامية إلى إنشاء آليات مستقلة للتحقيق والمساءلة.

وختمت الهيئة بيانها بالتأكيد على أن لبنان، الذي يواجه واحدة من أخطر الأزمات الإنسانية والحقوقية في تاريخه الحديث، يحتاج إلى تضامن دولي فعّال، وإلى تحرّك عاجل يضع حدّاً للانتهاكات المستمرة، ويضمن العدالة للضحايا، ويحمي حقوق الإنسان وفقاً للمعايير الدولية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى