
كتب طارق الشدياق
يعيش العالم المسيحي في هذه المرحلة من تاريخه لحظة دقيقة تتشابك فيها التحديات الخارجية مع التحولات الداخلية، فتتخذ المواجهة أبعاداً مركّبة تتجاوز الصدام التقليدي إلى صراع على الهوية والمعنى والدور. وعند مراجعة خطابات عدد من البابوات في العقود الأخيرة، يظهر بوضوح تركيزهم على خطرين متوازيين: تصاعد أشكال التطرّف الديني من جهة، واتساع التيارات الفكرية التي تسعى إلى تفريغ الإيمان من مضمونه من جهة أخرى.
في الإطار العالمي، أشار البابا بندكتوس السادس عشر في أكثر من مناسبة إلى أن التطرّف الديني، حين ينفصل عن العقل، يتحوّل إلى قوة هدّامة تهدّد الإنسان في جوهره. وقد شدّد على أن الإيمان الصحيح يرتبط ارتباطاً عضويّاً بالعقل، وأن أي انحراف في هذا التوازن يقود إلى العنف أو إلى الفراغ. هذا التحليل جاء كتشخيص لظاهرة عامة، مع بروز تطبيقاته بوضوح في الواقع الجيوسياسي حيث ظهرت جماعات متطرّفة تتخذ من الإسلام غطاءً أيديولوجيّاً وشكّلت أحد أبرز مصادر التهديد المباشر للمجتمعات المسيحية، خصوصاً في الشرق الأوسط وأفريقيا.
في موازاة ذلك، تناول البابا فرنسيس خطر التيارات اليسارية المتطرّفة ذات النزعة الإلغائية، والتي تسعى إلى إعادة صياغة الإنسان خارج أي مرجعية دينية أو أخلاقية ثابتة. هذا التوجّه يقود إلى تذويب العائلة، وإعادة تعريف القيم، وتحويل الإيمان إلى خيار هامشي داخل الفضاء العام. الخطر هنا يتجلّى في تفكيك البنية الثقافية التي قام عليها الوجود المسيحي عبر القرون، ما يضعف قدرة الجماعات المسيحية على الصمود أمام أي ضغط خارجي.
أما في السياق اللبناني، فإن الصورة تزداد تعقيداً بسبب الخصوصية التاريخية والديموغرافية. فلبنان يشكّل مساحة تأسيس وهوية للحضور المسيحي. منذ نشأة الكيان، ارتبط الدور المسيحي فيه بفكرة الحرية والتعددية والشراكة. إلا أن هذا الدور تعرّض عبر الزمن لضغوط متواصلة، بدءاً من حقبة الوصاية السورية وما رافقها من اختلالات في التوازن السياسي، وصولاً إلى المرحلة الراهنة حيث يتداخل النفوذ الإقليمي مع الانقسام الداخلي.
ضمن هذا الواقع، يبرز الخطر الداخلي بوصفه العامل الأكثر تأثيراً في إضعاف الحضور المسيحي. فئة من القوى السياسية التي انطلقت من البيئة المسيحية اختارت تموضعاً أفضى إلى تغطية اختلالات كبرى في السيادة والتوازن، ما انعكس مباشرة على موقع المسيحيين ودورهم. في هذا السياق، يُطرح اسم سليمان فرنجية كأحد رموز هذا الخيار السياسي، وهو ابن بيئة تاريخها حافل بالتضحيات في سبيل الدفاع عن لبنان، الأمر الذي يضاعف حجم المفارقة بين الإرث والممارسة.
كذلك، لعب التيار العوني، منذ مرحلة ميشال عون الاولى والثانية وصولاً إلى جبران باسيل، دوراً مفصليّاً في إعادة رسم التموضع السياسي للمسيحيين ضمن معادلات إقليمية معقّدة. هذا المسار ترافق مع تفاهمات وتحالفات أثّرت على مفهوم السيادة، وولّدت انقسامات داخلية عميقة، وأسهمت في إضعاف القدرة التفاوضية للمسيحيين داخل الدولة. النتائج ظهرت تدريجياً في تراجع الحضور الفاعل في مؤسسات القرار، وفي اهتزاز الثقة بالدور التاريخي الذي اضطلع به المسيحيون في لبنان.
ولا يمكن فصل هذا الواقع عن شبكة من الحلفاء الصغار الذين وفّروا غطاءً سياسيّاً داعماً لهذه الخيارات، وساهموا في تكريس مسار أدّى إلى مزيد من التراجع. هذه المنظومة، بتقاطعاتها المختلفة، شاركت في إنتاج بيئة سياسية أدخلت المسيحيين في حالة انكفاء، بدل أن تعزّز موقعهم كشريك مؤسّس في الكيان.
ضمن هذا المسار، يتضح أن التراجع السياسي أعاد تشكيل الحياة الفكرية نفسها داخل البيئة المسيحية. فإقصاء المفكرين عن مواقع التأثير، وتهميش دورهم في صياغة القرار، أدّى إلى انقطاع مباشر بين الإنتاج الفكري وصناعة السياسة. في مراحل سابقة، كان الفكر جزءاً من بناء المشروع الوطني، كما عند شارل مالك وميشال شيحا، حيث كان المفكر حاضراً في لحظة التأسيس لا خارجها.
مع مرور الزمن، تراجع هذا الحضور لصالح منطق سياسي قائم على إدارة التوازنات اليومية، ما أدّى إلى تفريغ المجال العام من المرجعية الفكرية القادرة على إنتاج رؤية استراتيجية. هكذا ارتبط الشحّ الفكري الحالي بتراجع موقع المفكرين داخل بنية القرار، لا بغيابهم، فتحوّل الإنتاج الفكري إلى نشاط فردي أو أكاديمي منفصل عن التأثير الفعلي في المسار السياسي.
في هذا الإطار، يمكن فهم الشحّ الفكري بوصفه نتيجة مباشرة لتراجع الدور السياسي المسيحي نفسه، حيث أدّى إضعاف موقع القرار إلى إضعاف البيئة الحاضنة للفكر، وانعكس ذلك على قدرة إنتاج رؤية متماسكة تعيد تعريف الدور والهوية ضمن الدولة.
التاريخ يقدّم شواهد عديدة على أن المجتمعات التي تفقد وضوح رؤيتها تتراجع أدوارها مهما بلغت قوتها في مراحل سابقة. التجربة اللبنانية تُظهر أن التحدي يرتبط بالقدرة على صون الدور بقدر ارتباطه بحماية الوجود. الجماعات التي تحافظ على حضورها هي تلك التي تمتلك قرارها، وتدير تحالفاتها ضمن إطار يخدم ثوابتها، وتدرك حدود التنازل وخطورته.
من هنا، تظهر الحاجة الملحّة إلى إنشاء جبهة فكرية سياسية جديدة، تجمع الطاقات الفكرية والروحية والسياسية ضمن إطار واحد، وتعمل على صياغة رؤية مستقبلية واضحة لدور المسيحيين في لبنان. جبهة قادرة على تحويل الفكر إلى مشروع، والمشروع إلى خطة عمل، والخطة إلى مسار وطني يعيد تثبيت الحضور المسيحي كشريك مؤسس في الدولة، ويضع أسساً استراتيجية طويلة المدى تعالج التحولات الديموغرافية والسياسية والاقتصادية.
كما تضع هذه الجبهة في صلب عملها إعادة تعريف صيغة لبنان نفسها، بما يضمن الحفاظ على الوجود المسيحي واستمراريته، وصون نمط العيش الخاص به ضمن إطار الدولة، مع تطوير عقد وطني جديد يوازن بين الشراكة والخصوصية، ويؤسس لاستقرار طويل الأمد يقوم على الاعتراف المتبادل وضبط التوازنات الدستورية والسياسية بما يحمي تعددية لبنان ويمنع انزلاقه نحو أي اختلال بنيوي في تركيبته التاريخية.



