
في الآونة الأخيرة، لم يعد القارئ بحاجة إلى جهد كبير لاكتشاف الخلل المتنامي في بعض الصحف الإلكترونية؛ فالمحتوى كفيل بفضح نفسه. نصوص متشابهة، عناوين مكررة، وأسماء كتّاب لا تعكس بالضرورة حقيقة من يقف خلف الكلمة. هنا لا نتحدث عن اجتهادات فردية، بل عن ظاهرة تتسع بصمت وتستحق التوقف.
إن أخطر ما تواجهه الصحافة اليوم ليس المنافسة، بل فقدان المصداقية. حين تُنشر المواد بأسلوب “القص واللصق”، وتُمنح صفة “كاتب” لمن لا يمتلك أدوات الكتابة أو هويتها، فإننا أمام إشكال يتجاوز ضعف المحتوى إلى تضليل القارئ وتقويض الثقة.
الصحافة ليست مساحة مفتوحة لكل من أراد الظهور، بل مسؤولية مهنية وأخلاقية. الكلمة ليست مجرد حروف تُرصّ، بل وعي يُبنى، ورأي يُصاغ، وتأثير يُمارس. وعندما تتحول المنصات إلى مجرد قنوات لنقل المحتوى دون تحقق أو تمحيص، فإنها تفرّغ دورها الحقيقي وتفقد مكانتها تدريجيًا.
المشكلة لا تقف عند ضعف بعض الكُتّاب، بل تمتد إلى غياب معايير الاختيار. كيف يُقبل نشر محتوى منقول دون مساءلة؟ وكيف تُمنح الألقاب دون استحقاق؟ وأين دور التحرير في التمحيص والمراجعة؟
إن إعادة الاعتبار للصحافة الإلكترونية تبدأ من الداخل؛ من إدارات التحرير التي يجب أن تدرك أن الجودة لا تُعوّض بالكثرة، وأن اسم الصحيفة يُبنى بالثقة لا بعدد المنشورات. كما أن على القارئ أن يكون أكثر وعيًا، يميّز بين المحتوى الحقيقي والمكرر، ويدعم المنصات التي تحترم عقله.
في زمن السرعة، قد يكون النشر سهلًا، لكن الحفاظ على المصداقية هو التحدي الحقيقي. وبين هذا وذاك، يبقى السؤال الأهم: هل ما زالت الكلمة تُكتب لتُحترم، أم فقط لتُنشر؟
الصحافة ليست مهنة من لا مهنة له، بل مسؤوليه لمن يمتلك الوعي قبل القلم



