على حافة المضيق… حين تختنق الجغرافيا ويتكلم الجنون – بقلم محمد البرجي

ليس ما يجري مجرد فشل مفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران, ولا مجرد جولة تصعيد عسكري عابر. ما نراه هو لحظة انكشاف كبرى: لحظة تنتقل فيها المعركة من الملفات إلى المفاصل, ومن السياسة إلى الشرايين. من “البرنامج” إلى “الممر”. من الورق إلى الماء.

حينها لا يعود السؤال: من ربح جولة التفاوض؟
بل: من يملك القدرة على خنق العالم… دون أن يطلق رصاصة واحدة.
هكذا, وببساطة قاتلة, انزلقت الأزمة إلى مضيق هرمز.
المكان الذي كان يُدار كقناة عبور, يُعاد تعريفه الآن كساحة سيطرة.
والممر الذي كان يُقاس عرضه بالكيلومترات, صار يُقاس بمدى التوتر.
لم يعد المضيق مجرد جغرافيا.
بل أصبح فكرة: فكرة من يتحكم في تدفق الطاقة, ومن يملك حق الإذن بالمرور, ومن يستطيع إن أراد أن يُحوّل الاقتصاد العالمي إلى رهينة.
الخطاب الأميركي الجديد لا يخفي ذلك.
ليس فتحاً للمضيق, بل إعادة صياغته: إمّا أن يمر الجميع وفق شروط القوة… أو لا يمر أحد.
هذا ليس إجراءً عسكرياً.
إنه إعلان فلسفي عن شكل النظام الدولي: نظام لا تعود فيه القواعد كافية, بل تُستبدل بالإملاء.
لكن هنا تحديداً, يبدأ الانكسار.
القوة التي تحتاج إلى فرض العبور بالقوة, تعترف ضمنًا أن العبور لم يعد طبيعيًا.
والقوة التي تسعى لصناعة “نصر إعلامي” من ممر مفتوح أصلًا, تكشف أنها فقدت القدرة على صناعة انتصار حقيقي.
في المقابل, لا تحتاج إيران إلى إعلان سيطرة كي تمارسها.
يكفي أن تجعل المضيق قابلاً للتعطيل, حتى يتحول كل عبور إلى قرار سياسي, وكل ناقلة إلى مخاطرة.
هذه هي المعادلة التي لا تُفهم في واشنطن:
في الحروب غير المتكافئة, لا تنتصر الدولة التي تضرب أكثر… بل التي تجعل الضرب مكلفاً بلا جدوى.
ولهذا تحديداً, نقلت طهران مركز الثقل من “النووي” إلى “الملاحي”.
ليس لأنها تخلّت عن الأول, بل لأنها حمت به الثاني.
فالمخزون الاستراتيجي يُصان بالملفات, لكن النفوذ يُصنع بالمفاصل.
ما جرى خلال الأسابيع الماضية يكشف مفارقة فجة:
القوة الأعظم في العالم أشعلت صراعاً عطّل جزءاً معتبراً من إمدادات الطاقة,
ثم اضطرت بصمت للسماح بتدفق النفط ذاته الذي أرادت منعه, فقط لتفادي انفجار الأسعار.
ثم, وبمنطق لا يخلو من عبث, تقرر الآن خنق التدفق بالكامل.
هكذا تُدار الأزمات حين تتحول من استراتيجية إلى نزوة:
حلٌّ يُنتج أزمة, وأزمة تُستبدل بأخرى أكبر.
لكن الأخطر ليس في القرار, بل في الميدان الذي يُراد له أن يستوعبه.
مضيق هرمز ليس ساحة مفتوحة.
إنه ممر ضيق, حساس, هشّ, تُصبح فيه أي حركة عسكرية مخاطرة مركبة.
هناك, لا تحتاج القوة إلى أن تُهزم كي تفشل.
يكفي أن تفقد القدرة على تأمين “الإحساس بالأمان”.
فما قيمة ممر مفتوح… إذا لم يجرؤ أحد على عبوره؟
هنا تنقلب المعادلة.
ليست الهزيمة أن تُغرق بارجة,
بل أن تفتح طريقاً لا يسلكه أحد.
وليست السيطرة أن تنتشر عسكرياً,
بل أن تُقنع العالم أن المرور آمن.
وهذا هو الاختبار الذي لم تنجح فيه الإمبراطوريات الكبرى من قبل.
في فيتنام, امتلكت القوة كل شيء… وخسرت الزمن.
وفي أفغانستان, امتلكت المال والسلاح… وخسرت المعنى.
اليوم, يتكرر المشهد بصيغة بحرية:
امتلاك القوة لا يعني امتلاك المرور.
في الضفة الأخرى, تكمن هشاشة لا تقل خطورة.
دولٌ بُني استقرارها على التدفق تدفق النفط, الماء, التجارة تجد نفسها فجأة أمام احتمال انقطاع الشرايين.
الرفاه الذي كان عقداً سياسياً, قد يتحول إلى عبء إذا تلاشت شروطه.
في الحروب الحديثة, لا تُقصف الجيوش فقط… بل أنماط الحياة.
وحين تُستهدف أنماط الحياة, لا تعود المسألة صموداً عسكرياً, بل قدرة مجتمعية على الاحتمال.
وسط هذا كله, تبدو المفاوضات كأنها فشلت.
لكن الحقيقة أنها لم تبدأ بعد.
ما جرى هو الجولة الصفرية:
اختبار النوايا, قياس الأعصاب, رفع السقوف.
في هذا النوع من الصراعات, لا تُكتب الاتفاقات في الجلسة الأولى,
بل تُنحت تحت الضغط, جولة بعد أخرى, ضربة بعد أخرى.
ولهذا, فإن التصعيد نفسه جزء من التفاوض, لا نقيضه.
الخلاصة التي لا يريد أحد قولها:
هذه ليست معركة لإسقاط نظام,
ولا لحماية ممر,
ولا حتى لضبط برنامج.
إنها معركة على تعريف القوة في الإقليم.
هل القوة هي القدرة على الإغلاق؟
أم القدرة على إبقاء العالم مفتوحاً رغم التهديد؟
بين هذين التعريفين, يقف الشرق الأوسط على حافة زمن جديد.
زمن لا تُحسم فيه الحروب بالضربات القاضية, بل بإدارة الاستنزاف.
ولا تُدار فيه السياسة بالاتفاقات, بل بالخوف.
وإذا استمر الانزلاق…
فإن أخطر ما قد يحدث ليس حرباً شاملة,
بل ما هو أسوأ:
حالة دائمة من “اللا حرب واللا سلم”,
حيث يُدار العالم على إيقاع التهديد,
وتُقاس القرارات بمدى قربها من الحافة.
وعند الحافة…
لا يحتاج الأمر إلى إعلان حرب.
يكفي أن يخطئ أحدهم الحساب.

المصدر: ALRAII ONLINE

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى