رجال الأرز لا يصنعون ترند.. بل يصنعون التاريخ

بقلم سيندي أبو طايع

في زمنٍ اختلطت فيه الأولويات، بات من السهل على البعض توجيه سهام الكلام نحو من يُجسّد الفرح والوحدة، بدل أن تُوجَّه نحو من كان سبب الانقسام والخراب والدمار.
فرجاء، ليكن النقد حيث يجب أن يكون، لا حيث يلمع الضوء أسهل.

في كلّ مرّة يحاول فيها البعض صناعة ضجيج إعلامي عبر تصريحات عاقرة وعابرة، يثبت أن القيمة الحقيقية لا تُقال.. بل تُفعل.
فالهجوم الكلامي، والتلميحات، ومحاولات ركوب الموجة، كلّها أدوات رخيصة وسهلة.
أمّا الصعب، فهو أن ترتدي قميص الوطن وتتحمّل وزنه في أحلك الظروف. وهنا تحديدًا، وُلد رجال الأرز. فمنتخب لبنان للرجال بكرة السلّة لم يُبنَ في استوديو، ولم يُصنع على منصات التواصل الإجتماعي. بل شقّ طريقه بالعرق والتضحيات، فوصل إلى نهائيات آسيا

أكثر من مرّة، ووقف بنديّة أمام عمالقة القارة والعالم، وكتب اسمه أربع مرّات في كأس العالم لكرة السلّة. وكلّ ذلك ليس بفضل تصريح، بل بفضل رجال قاتلوا على كلّ كرة وكأنّها الأخيرة.
فمن يتجرّأ اليوم على التقليل من قيمة هذا المنتخب، عليه أن يتذكّر لحظة لا تُشترى بالكلام ولا تُختصر بتصريح:
ففي عام 2006، وبينما كان لبنان يعيش تحت لعنة الحرب والنار، لم يكن منتخب الأرز يخوض مباراة كرة سلّة فحسب، بل كان يحمل وطنًا كاملًا على كتفيه.
ففي تلك اللحظة، لم يكن هناك “ترند”، ولا كاميرات تبحث عن جدل. بل كان هناك لاعبون يلعبون وبلدهم يُقصف. ورغم ذلك.. انتصروا.
فمن تخطّي فنزويلا في الدور الأوّل، إلى إسقاط فرنسا في واحدة من أكبر المفاجآت، فاز رجال الأرز. نعم.. فازوا. لكن ليس فقط بنتيجة على لوحة عالية، بل بصورة وطنٍ يرفض الانكسار والاستسلام.
وهذا هو الفرق بين من يتحدث عن الوطنية ومن يُجسّدها.
ومن ما لا يُقال كثيرًا، أن معظم هؤلاء اللاعبين لا يكتفون بما يقدّمونه على أرض الملعب، بل يمتدّ أثرهم إلى ” الإنسان ” بصمت. يساعدون، يقفون إلى جانب من

يحتاج، ويمنحون من وقتهم وجهدهم ومالهم بعيدًا عن الأضواء.
فحمل الكاميرات ليس من دفاعهم، ولا استعراض الأفعال من هجومهم.
هم يكتفون بأن يتركوا ما يفعلونه يتكلّم عنهم.
لأنّهم يدركون تمام الإدراك أن الصمت هو الإهانة الأبلغ لكلّ هذا الضجيج البائس.
فيا ليت البعض يقرأ قبل أن يكتب، ويسمع قبل أن يتكلّم.
فتحيّة علنيّة صادقة وصارخة للتاريخ، لأنّه لا يذكر الأبواق والضجيج، بل يخلّد الرجال والأفعال فقط.
فوقوف لبنان في وجه منتخبات كبرى، وتحويل كرة السلّة إلى ملحمة وطنية تُلعب بالقلب قبل الخطط، لم يكن صدفة، ولم يكن يومًا “ترند”.
بل كان نتيجة سنوات من العمل، ومن التضحيات، ومن لاعبين اختاروا أن يكونوا على قدر القميص وأحلام الوطن.
أما التصريحات “الدونكشوتية”، التي تبحث عن بطل وهمي في معارك مصطنعة وغير موجودة، فهي لا ترفع منتخبًا، ولا تبني وطنًا.
فالتملّق لا يصنع إنجازًا، والضجيج لا يكتب تاريخًا. بل يشوّه صورة ما بُني بعرق الرجال.

رجال الأرز لا يحتاجون اليوم كما دائماً إلى من يدافع عنهم بالكلام، لأنّهم دافعوا عن أنفسهم في الميدان.
من نهائيات آسيا، إلى المشاركات العالمية، إلى كلّ لحظة وقف فيها هذا المنتخب متحدّيًا الظروف الاقتصادية والضغوط النفسية… وهنا كُتبت الحقيقة.
والحقيقة تُقال، إن المنتخبات لا تُقاس بعدد التصريحات، بل بعدد المرّات التي تنهض فيها بعد السقوط. ولا تُقاس بعدد المتابعين، بل بعدد القلوب التي توحّدها.
في لبنان، يختلف الناس على كلّ شيء إلاّ على منتخب الأرز لكرة السلّة.
فهناك يسقط الضجيج وتبقى الصورة الوحيدة:
قميص أبيض، علم مرفوع، ورجال يعرفون أن الوطن لا يُمثَّل بالكلام بل بالفعل.

أخيرًا.. اتركوا السلّة تعيش،
فهي “فشّة الخلق” الأخيرة والديانة الوحيدة والواحدة الجامعة للبنانيين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى