
هازار يتيم- LebanonOn
لم تكن الحرب يومًا مجرد أصوات قذائف ودخان يتصاعد في السماء، بل كانت دائمًا رصاصةً تصيب قلب الحياة بكل تفاصيلها. وفي لبنان، البلد الذي اعتاد أن يبيع العالم صور الفرح والسهر والبحر والجبل، جاءت الحرب والاعتداءات الإسرائيلية لتطفئ أنوار المواسم السياحية، وتحول الفنادق والمطاعم والشوارع التي كانت تضج بالحياة إلى أماكن يلفها القلق والخوف والصمت. فالقطاع السياحي، الذي شكّل لعقود شريانًا اقتصاديًا أساسيًا للبنان، وجد نفسه اليوم في مواجهة كارثة حقيقية تهدد وجوده، بعدما قتلت الحرب الأعياد، ودفنت المواسم، وأبعدت السياح، وفرضت واقعًا قاسيًا على آلاف المؤسسات والعاملين فيها. وبين الدمار والنزوح والخسائر الاقتصادية، يقف لبنان اليوم أمام واحدة من أصعب الأزمات السياحية في تاريخه الحديث.
قال نقيب أصحاب الفنادق ورئيس اتحاد النقابات السياحية بيار الأشقر في حديثٍ لـ”LebanonOn” إنّ “كل حرب هي العدو الأول للقطاع السياحي”، مشيرًا إلى أنّ الحديث اليوم لم يعد عن موسم أو فترة محدودة، بل عن سنة كاملة ضاعت فيها الأعياد والمواسم بسبب الحرب الدائرة والاعتداءات الإسرائيلية على لبنان”.
وأوضح الأشقر أنّ “نسبة التشغيل في الفنادق داخل بيروت تتراوح بين 5 و11 بالمئة فقط، بينما تنخفض هذه النسبة بشكل أكبر خارج العاصمة، لافتًا إلى أنّ بعض المؤسسات السياحية وصلت فيها نسبة التشغيل إلى الصفر، ما يعكس حجم الكارثة التي يعيشها القطاع السياحي اللبناني”.
وردًا على سؤال حول غياب الموسم السياحي في ظل التوترات الأمنية، أكد الأشقر أنّ “ما يجري في لبنان لا يمكن وصفه بالتوتر الأمني، بل هو “حرب شرسة” خلّفت آلاف الضحايا والجرحى، مضيفًا: “في أجواء كهذه من الطبيعي ألّا تكون هناك سياحة”.
وأشار إلى أنّ أعداد السياح الأجانب الوافدين إلى لبنان تراجعت بشكل كبير جدًا مقارنة بالمواسم السابقة، موضحًا أنّ الجنسيات العربية التي كانت تشكل العمود الفقري للسياحة اللبنانية، كالعراقيين والسوريين والأردنيين والمصريين، بات حضورها أقل من النصف نتيجة الظروف الأمنية والحرب المستمرة.
أما بالنسبة للمناطق البعيدة نسبيًا عن القصف والتوترات، فأوضح الأشقر أنّها “لم تتمكن أيضًا من استقطاب سياح أجانب، معتبرًا أنّ الحركة الحالية تقتصر بمعظمها على السياحة الداخلية وبعض المغتربين اللبنانيين الذين يزورون البلاد، وهؤلاء يساهمون بشكل محدود في تحريك العجلة الاقتصادية”.
وأضاف أنّ “المناطق الممتدة من مطار بيروت وصولًا إلى الجنوب تُعد من أكثر المناطق التي “ماتت اقتصاديًا” بسبب الحرب الإسرائيلية، فيما تعاني العاصمة بيروت أيضًا من تداعيات النزوح الكثيف للعائلات التي هجّرتها الحرب من قراها، حيث تنتشر مشاهد المهجرين على الطرقات وقرب الواجهة البحرية، ما انعكس نفسيًا واجتماعيًا على صورة المدينة السياحية”.
وأوضح الأشقر أنّ السائح الذي يُفترض أن يقصد بيروت للترفيه والسهر، يجد نفسه أمام مشاهد إنسانية مؤلمة تمنعه حتى معنويًا من الاستمتاع، قائلاً إنّ “السائح لا يستطيع أن يشرب ويسهر ويرقص فيما هناك أشخاص فقدوا منازلهم أو أحد أفراد عائلاتهم”.
كما أشار إلى أنّ “مناطق البقاع تضررت بدورها نتيجة القصف الذي طال عددًا كبيرًا من بلداتها، في حين أنّ بعض المناطق البعيدة نسبيًا عن دائرة الاستهداف، كجزء من ساحل المتن وكسروان وبعض المناطق الجبلية، تمكنت من الاستفادة جزئيًا، لا سيما المطاعم والملاهي التي تعتمد على قطاعي الطعام والشراب”.
وفي ما يتعلق بارتفاع أسعار المسابح والخدمات السياحية، أوضح الأشقر أنّ موجة الغلاء عالمية وليست محصورة بلبنان، مشيرًا إلى أنّ أصحاب المسابح يواجهون ارتفاعًا كبيرًا في أسعار المازوت والكهرباء والكلور والمولدات نتيجة ارتفاع أسعار المحروقات عالميًا، ما يضطرهم إلى رفع الأسعار لتغطية التكاليف التشغيلية.
وختم الأشقر بالإشارة إلى أزمة ارتفاع أسعار بطاقات السفر، معتبرًا أنّ “تذاكر الطيران تضاعفت أسعارها، الأمر الذي بات يشكل عبئًا كبيرًا على اللبنانيين المغتربين، خصوصًا العائلات الكبيرة المقيمة في الدول البعيدة، حيث أصبحت كلفة السفر إلى لبنان مرتفعة جدًا مقارنة بالسفر إلى دول أخرى حول العالم”.
اذا، هكذا تبدو الصورة اليوم في لبنان قطاعٌ سياحي ينزف تحت نار الحرب، واقتصاد يترنح بين الدمار والخوف والنزوح.
بلدٌ كان يُعرف يومًا بوجهته السياحية الساحرة، بات عاجزًا عن إقناع زواره بالبقاء وسط مشاهد القصف والخراب والوجع الإنساني.
ومع استمرار الاعتداءات الإسرائيلية وتفاقم الأزمة، لا تبدو الخسائر مقتصرة على الفنادق والمطاعم والمواسم فحسب، بل تمتد لتصيب هوية لبنان نفسها، تلك الهوية التي لطالما ارتبطت بالحياة والفرح والانفتاح.
وبين غياب الاستقرار وارتفاع الأكلاف وتراجع أعداد السياح، يبقى السؤال الأكبر: كم تبقى من هذا القطاع قبل أن تسقط آخر مواسمه تحت ركام الحرب؟



