
للأسف بات واضحًا أنّ الأداء السياسي الوطني لكافة القوى السياسة اللبنانية ومعها أغلبية القيادات الروحية المسيحية والإسلامية يعتمدان على أسلوب “رهانات سياسية خاطئة” وبأغلبيتها قرارات غير مدروسة تتناقض وبنود الدستور اللبناني والقوانين المرعية الإجراء وهي في الغالب يبنوها على قراءات جد خاطئة غير دقيقة وعلى تحالفات باتت تهدِّد الإستقرار والسلام في الجمهورية اللبنانية وعلاقاتها مع دول العالم .
الظاهر والذي بدا بدون شك أنّ الساسة في لبنان علمانيين وروحيين يبنون مواقفهم وأدائهم السياسي على رهانات خاطئة وأدائهم يُظهر أنهم يخافون من قوة إقليمية تتدخل في شؤون الجمهورية اللبنانية مستبيحةً كل مقومات الدولة من خلال فصيل عسكري ميليشياوي مسلّح هدفه فرض تسوية عسكرية تستفيد منها لا بل توّظفها لصالح مصالحها في حربها مع الغرب. علمًا أنّ النظام السياسي القائم يُعاني من الإهتراء الداخلي ومن عدم قدرته على ضبط الأمور بالتي هي أحسن والأمر الأكثر قلقًا أنّ هذا النظام السياسي يتبنّى سياسات بناءً على إستمرارية الوضع الراهن ويتلّطى بأنه “مهدّدْ بالقتل أو التصفية”… وتصرفاته هذه هي نقيض مبدأية تغيير موازين القوى حيث لا يتعامل مع الأحداث القائمة ويوّظفها لمصلحة الجمهورية بل يتماشى مع المظلومية ونحر السيادة الوطنية على حساب سيادة الدولة والإستقرار .
الأداء السياسي لكل الأطراف السياسية بمن فيهم الحكومة هي نتيجة مباشرة لمسار من سوء الحسابات لديهم والمشكلة أنها لم تكن على دراية بأنّ ضعفها سيؤثر سلبًا على واقع النظام السياسي اللبناني ، وهذا الأداء هو مزيج من القراءات الخاطئة لتحولات الداخل اللبناني وتبدُّل حسابات محلية – إقليمية – دولية ، وحدود إلتزام النظام السياسي اللبناني بالقوانين الصادرة عن مجلس الأمن ودعم مطلق للجمهورية في حال كانتْ خياراتها سليمة .
منذ إنتخاب الرئيس جوزاف عون وتشكيل الحكومة بنى النظام السياسي إستراتيجيته على إفتراض أن الزمن سيعمل لصالحه ولكن عمليًا هو نظام سياسي ضعيف ، بيئة لبنانية منقسمة على ذاتها ، وغياب أي حماية للنظام من قبل الأجهزة الأمنية التي من المفترض القيام بواجباتها الدستورية والقانونية والسبب ضعف الحكومة من حيث مبدأية المحاصصة وعدم الإلتزام الخُلُقي والدستوري لبعض مكوناتها .
التدخل الإيراني المباشر بواسطة ميليشيا حزب الله وضعف النظام السياسي والتلكوء السائد هما أكثر جلاءً ووضوحًا، كل مراكز الأبحاث المحلية والعربية والدولية لاحظتْ سموم وأداء ذلك المشروع الذي يتناقض مع المبادىء السيادية الوطنية، وهذا السكوت والرهان الخاطىء والتهرُّب من المسؤولية والتدخل السافل في شؤون لبنان هيأوا الأرضية للميليشيا وللتواجد وللإنتشاروالصلبطة على مختلف مفاصل الدولة السياسية – الدبلوماسية – الأمنية – الإقتصادية – التربوية – الإجتماعية .
كفى رهانات خاطئة وتهرُّب من المسؤولية أفضتا لأكبر عملية إستنزاف وطنية ، تجاه من عاث في جمهوريتنا ضررًا وقُبحًا وضرب كل ما له علاقة بالسيادة والولاء اللبناني . كفى رهانات خاطئة على التهرُّب من مواجهة دولة إيران الداعمة للعابثين بأمن الجمهورية اللبنانية ، وتصرفات هؤلاء ليستْ إلاّ إمتدادًا لسياسة تستخف بعقول مجموعات مُضلّلة تسوقهم بأسواط التبعية ثم لا تكترث لمصيرهم والدليل ما يحصل من حرب على لبنان تشنّها دولة إسرائيل تحت “ذريعة المحافظة على أمنها المهدّد من قبل فصيل لبناني لا قدرة للنظام السياسي اللبناني على ضبطه…”
الوضع العام في البلاد بحاجة لقراءة متأنية، الهامش السياسي حاليًا ليس منطقة رمادية بالمعنى السلبي ، بل مساحة للإنقاذ تتحرك فيها الدولة حين تدرك أنّ البقاء في حالة الإرتهان الخاطىء قد يُفسِدْ الأمور ويُحاصر التوافقات قبل نضوجها ، وما يجري اليوم من تهاون يرفع الكلفة وبالطبع ستتغيّر شروط السلام ،من هنا فإنّ جزءًا مهمًا من السياسة الحالية لا يُدار في
لحظات تردُّدْ وطيش وقلّة إدراك وعدم مسؤولية ، بل في مرحلة راهنة قوامها التقدير السليم وإختبار المواقف وصناعة القرار البديل .
أيُّها السادة (مسؤولين علمانيين وروحيين وأمنيين ) ليس للجمهورية أي مستقبل في ظل التلكوء والتهرُّبْ ، المطلوب موقف جريء واضح يصل إلى عمق القيم والمبادىء ، المسؤول الحر لا يبحث عن الأضواء ولا ينتظر التقدير لأنه يُدرك أن ما يفعله ليس فضلاً بل واجب يجده حاضرًا حين يغيب الضمير المسؤول .
نريد كمركز أبحاث ( المركز الدولي للأبحاث السياسية والإقتصادية PEAC ) موقفًا ثابتًا صادقًا لا يُساوم على الوطن ولا يضعه في ميزان المكاسب والمصالح الخاصة والمحاصصة بل إنتماء لا يقبل القسمة . نريد “تعديلاً وزاريًا طارئًا ” يضع حدًا لزيف الإدعــاء في صوره المتعددة .
إننا أمام إختبار حقيقي هو “التعديل الوزاري الطارىء ” الذي سيُغني الجمهورية بالإنتماء الوطني الشريف ، ليس الإنتماء المشروط والذي يتماشى مع المصالح الخاصة ، والذي يتبدّلْ ويُبدّل ويتراخى ، والباحث عن مبررات تخفي هذا التناقض . إنّ الجمهورية اللبنانية لا تُحفظ في الولاءات الخارجية بل تُحفظ بقواها الشرعية الذاتية وبالرجال الذين صدقوا في ولائهم للجمهورية اللبنانية وأعاداو لها هبيتها وكرامتها وعزّتها وديمومتها وحريتها وسيادتها المطلقة .
بسام ن ضو ( كاتب وباحث سياسي – أمين سر المركز الدولي للأبحاث السياسية والإقتصادية )



