البطريرك الراعي من عنايا: السلام هو خيار لبنان… والقديس شربل شاهدٌ على أن القداسة تبني الأوطان

 

في مشهدٍ إيماني حاشد، احتفلت الكنيسة المارونية بعيد القديس شربل في دير مار مارون – عنايا، حيث ترأس صاحب الغبطة الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي، بطريرك أنطاكية وسائر المشرق للموارنة، القداس الإلهي بمشاركة روحية ورسمية وشعبية واسعة، تقدّمها ممثل فخامة رئيس الجمهورية اللبنانية معالي وزير الأشغال العامة والنقل السيد فايز رسامني، وقائد الجيش العماد رودولف هيكل، والسفير البابوي في لبنان المطران باولو بورجيا، إلى جانب أصحاب السيادة المطارنة النائبان العامان حنا علوان والياس نصار والرؤساء العامين والرؤساء الروحيين، والنواب والوزراء والفعاليات السياسية والعسكرية والقضائية والبلدية والاختيارية، وحشود كبيرة من المؤمنين الذين توافدوا من مختلف المناطق اللبنانية ومن بلدان الانتشار للمشاركة في عيد قديس لبنان.

وعاون صاحب الغبطة في الاحتفال المطران ميشال عون، راعي أبرشية جبيل المارونية، والأباتي هادي محفوظ، الرئيس العام للرهبانية اللبنانية المارونية، والاب ميلاد طربيه رئيس دير مار شربل والاب طوني عيد امين سر الرهبانية اللبنانية ولفيف من الكهنة والرهبان.

الأباتي هادي محفوظ: عنايا تبقى منارة صلاة ورجاء

وفي مستهل الاحتفال، ألقى الأباتي هادي محفوظ كلمة رحب فيها بصاحب الغبطة، معربًا عن شكره لتلبيته الدعوة وترؤسه الاحتفال بعيد القديس شربل، ومحييًا ممثل رئيس الجمهورية، والسفير البابوي، والحضور الروحي والرسمي والسياسي، ومؤكدًا أن عنايا ستبقى، بفضل قديسها، منارة صلاة ورجاء، تستقبل المؤمنين من مختلف أنحاء العالم، ليجدوا فيها طريقًا إلى الله ورسالة سلام ومحبة.

البطريرك الراعي: القداسة هي القوة التي تحفظ لبنان

وبعد الإنجيل المقدس، ألقى صاحب الغبطة عظة ركز فيها على رسالة القديس شربل، معتبرًا أن الكنيسة، وهي تحتفل بعيد هذا القديس الكبير، لا تستذكر ماضيًا مجيدًا فحسب، بل تستعيد نموذجًا حيًا لقداسة قادرة على تغيير الإنسان والمجتمع والوطن.

وأكد أن القديس شربل لم يصنع مجده من سلطة أو نفوذ أو مال، بل من أمانته الكاملة لله، ومن حياته المكرسة للصلاة والصمت والنسك والإفخارستيا، حتى أصبح علامة مضيئة في الكنيسة الجامعة ورسولًا للبنان في العالم كله، يحمل اسمه إلى الشعوب من خلال القداسة والعجائب التي يجريها الله بشفاعته.

وأضاف أن القديس شربل يعلّم اللبنانيين أن مستقبل الوطن لا يصنعه منطق القوة والعنف، بل قوة القداسة والإيمان والالتزام بالقيم، لأن الإنسان الذي يتجدد داخليًا هو وحده القادر على تجديد المجتمع والدولة.

القديس شربل والطوباوي البطريرك الحويك… وجهان لرسالة واحدة

وربط صاحب الغبطة بين الاحتفال بعيد القديس شربل واقتراب الاحتفال بتطويب البطريرك الياس بطرس الحويك، معتبرًا أن الكنيسة المارونية تقدم اليوم للعالم نموذجين متكاملين من القداسة.

فالقديس شربل قدّس الأرض بالصلاة والصمت والنسك، فيما حمل البطريرك الحويك همّ الإنسان والوطن، ودافع عن قيام لبنان الكبير، وصان كرامة شعبه في المحافل الدولية، فكان شاهدًا على أن الإيمان لا ينفصل عن المسؤولية الوطنية، وأن خدمة الله تكتمل بخدمة الإنسان.

وأشار إلى أن الكنيسة تفتخر بهاتين القامتين اللتين تؤكدان أن القداسة ليست انسحابًا من العالم، بل حضورًا فاعلًا فيه، وأن الصلاة والعمل، والتأمل والخدمة، يلتقيان في رسالة واحدة هي تمجيد الله وخير الإنسان.

السلام هو خيار لبنان… وليس الحرب

وتوقف صاحب الغبطة مطولًا عند الواقع الوطني، مؤكدًا أن لبنان، الذي أعطى العالم قديسين كبارًا، مدعو اليوم إلى أن يبقى أمينًا لرسالته التاريخية، رسالة اللقاء والحرية والتعددية والعيش المشترك.

وشدد على أن السلام هو خيار لبنان، وليس الحرب، وأن اللبنانيين لا يريدون أن يكون وطنهم ساحة صراعات أو صندوق رسائل أو ميدانًا لتصفية الحسابات، بل وطنًا سيدًا، حرًا، آمنًا، يعيش جميع أبنائه فيه بكرامة واستقرار.

وأكد أن السلام ليس موقفًا ظرفيًا، بل هو خيار أخلاقي ووطني وإنساني، لأنه وحده يحفظ حياة الناس، ويصون مستقبل الشباب، ويحمي العائلات، ويعيد الثقة إلى الدولة ومؤسساتها، ويفتح الطريق أمام النهوض الاقتصادي والاجتماعي.

وأضاف أن الكنيسة ستبقى ترفع صوتها دفاعًا عن الإنسان، وعن حق اللبنانيين في العيش بأمان، وفي بناء دولة قوية وعادلة، تحتكم إلى الدستور والقانون، وتصون سيادتها واستقلال قرارها، وتؤمن المساواة بين جميع أبنائها.

ودعا جميع المسؤولين إلى تغليب لغة الحوار على لغة المواجهة، ومنطق الحكمة على الانفعال، والعمل المشترك من أجل حماية لبنان من الأخطار التي تحدق به، لأن الوطن لا يُبنى بالانقسامات، بل بتضافر الإرادات الصادقة ووحدة الصف حول المصلحة الوطنية العليا.

وأكد أن رسالة لبنان، التي دفع الآباء المؤسسون وفي طليعتهم البطريرك الحويك أثمانًا كبيرة لترسيخها، لا تزال اليوم حاجة للشرق والعالم، وهي رسالة الحرية والكرامة والعيش المشترك، داعيًا اللبنانيين إلى التمسك بها وعدم التفريط بها مهما اشتدت الأزمات.

دعوة إلى الرجاء

وفي ختام عظته، رفع صاحب الغبطة الصلاة بشفاعة القديس شربل، سائلًا الله أن يحفظ لبنان وشعبه، وأن يعضد المسؤولين بالحكمة والشجاعة لاتخاذ القرارات التي تصون الوطن، وأن يبارك كل الجهود الرامية إلى تثبيت الأمن والاستقرار والسلام، ليبقى لبنان، كما أراده الله، أرض القداسة، ووطن الرسالة، ومنارة رجاء وسلام في الشرق والعالم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى