لينا دياب- لبنان بين تحولات الإقليم والاقتصاد العالمي… فرصة تاريخية لا تحتمل التأجيل

 

خاص “أنا لبنان”لينا دياب

  لم يعد من الممكن قراءة الاقتصاد اللبناني بمعزل عن المشهدين الإقليمي والدولي. فالاقتصادات الحديثة لم تعد تتحرك داخل حدودها الجغرافية فقط، بل أصبحت تتأثر مباشرة بالتحولات السياسية، وأسواق الطاقة، وحركة التجارة العالمية، والاستقرار الأمني، وثقة المستثمرين. وفي حالة لبنان، تبدو هذه العلاقة أكثر تعقيدًا، لأن اقتصاده لطالما كان شديد الارتباط بمحيطه العربي والدولي.

بعد سنوات من واحدة من أعنف الأزمات المالية والاقتصادية في العالم، بدأ لبنان يسجل مؤشرات أولية على استقرار نسبي. فقد شهدت الأشهر الأخيرة تحسنًا في النشاط الاقتصادي، وارتفاعًا في الإيرادات العامة، واستقرارًا نسبيًا في سعر صرف الليرة، إضافة إلى انتعاش القطاع السياحي وعودة جزء من الحركة التجارية والخدماتية. ورغم أهمية هذه المؤشرات، فإن المؤسسات المالية الدولية ما زالت تصنف هذا الواقع بأنه تعافٍ هش، لأن مقومات الاستدامة لم تكتمل بعد، ولأن الاقتصاد لا يزال يفتقر إلى الإصلاحات البنيوية التي تضمن استمرارية هذا التحسن. في المقابل، يشهد العالم مرحلة اقتصادية دقيقة. فالتوترات الجيوسياسية، وتبدل موازين القوى، والتنافس على مصادر الطاقة والممرات التجارية، وارتفاع كلفة التمويل عالميًا، كلها عوامل تزيد من هشاشة الاقتصادات الصغيرة.

ولبنان، بحكم موقعه الجغرافي، يبقى من أكثر الدول تأثرًا بأي تغير في المشهد الإقليمي، سواء من الناحية الأمنية أو الاقتصادية. ويُدرك الخبراء أن الاقتصاد اللبناني يعتمد بدرجة كبيرة على ثلاثة عناصر أساسية: السياحة، وتحويلات اللبنانيين المنتشرين في الخارج، والاستثمارات الخاصة. وهذه القطاعات ترتبط مباشرة بدرجة الاستقرار السياسي والأمني. فكلما تراجعت المخاطر، ازدادت حركة الرساميل، وتحسنت ثقة المستثمرين، وارتفعت نسبة النمو. أما عندما تتصاعد التوترات، فإن أول ما يتأثر هو حركة الاستثمار والسياحة والأسواق.

ومن هنا، فإن استقرار لبنان لم يعد مطلبًا داخليًا فقط، بل أصبح ضرورة اقتصادية. فلا يمكن لأي خطة إنقاذ أن تنجح في بيئة تفتقر إلى الاستقرار، كما لا يمكن لأي اقتصاد أن يجذب الاستثمارات إذا بقيت حالة عدم اليقين هي العنوان الدائم. وفي هذا الإطار، تبرز أهمية عودة الاهتمام الدولي بلبنان، ولا سيما من خلال الحراك الدبلوماسي الأخير، والانفتاح المتجدد على دعم مؤسسات الدولة، وتشجيع تنفيذ الإصلاحات، واستكمال المفاوضات مع صندوق النقد الدولي، باعتبارها خطوة أساسية نحو استعادة الثقة بالاقتصاد اللبناني. لكن الإصلاح المالي وحده لا يكفي.

فالاقتصاد الحديث يقوم على عناصر متكاملة تشمل استقلالية القضاء، وشفافية الإدارة، وتحديث التشريعات، وتطوير البنية التحتية، والتحول الرقمي، وتعزيز بيئة الأعمال، وإطلاق مشاريع إنتاجية قادرة على خلق فرص عمل حقيقية. فلبنان يمتلك كفاءات بشرية استثنائية، وقطاعًا خاصًا أثبت قدرته على الصمود، وانتشارًا لبنانيًا واسعًا في مختلف دول العالم، وهي عناصر يمكن أن تتحول إلى قوة اقتصادية حقيقية إذا أحسنت الدولة استثمارها. كما أن موقع لبنان الجغرافي يمنحه فرصة للعودة مركزًا للخدمات، والتعليم، والاستشفاء، والاقتصاد الرقمي، إذا تمكن من إعادة بناء الثقة بمؤسساته، وتوفير بيئة مستقرة للمستثمرين، والانفتاح على التحولات الاقتصادية العالمية التي تركز اليوم على التكنولوجيا، والابتكار، والاقتصاد المعرفي. إن العالم يتغير بسرعة، والدول التي تنجح ليست بالضرورة تلك التي تمتلك أكبر الموارد، بل تلك التي تملك القدرة على اتخاذ القرار في الوقت المناسب. والتجارب الاقتصادية الحديثة تؤكد أن الدول الخارجة من الأزمات تستطيع تحقيق قفزات نوعية متى توافرت الإرادة السياسية، والإدارة الرشيدة، والإصلاح الحقيقي.

أما لبنان، فما زال يقف أمام فرصة قد لا تتكرر بسهولة. فالمناخ الدولي بات أكثر استعدادًا لمواكبة أي مسار إصلاحي جاد. من وجهة نظري، لا يحتاج لبنان اليوم إلى إنقاذ مالي بقدر حاجته إلى قرار وطني اقتصادي واضح. فالمال يأتي حين تتوافر الثقة، والاستثمارات تتدفق حين تستقر المؤسسات، والنمو يولد عندما تصبح الدولة شريكًا للاقتصاد لا عبئًا عليه. لقد أثبت اللبناني، داخل وطنه وفي كل أنحاء العالم، أنه قادر على النجاح في أصعب الظروف، وما ينقصه ليس الكفاءة، بل البيئة التي تسمح لهذه الكفاءة بأن تُثمر. وإذا استطاع لبنان أن يلتقط هذه اللحظة الإقليمية والدولية بحكمة، وأن يترجمها إلى إصلاحات فعلية، فقد تتحول هذه الأزمة إلى نقطة انطلاق جديدة. أما إذا استمر في إضاعة الفرص، فلن تكون المشكلة في نقص الإمكانات، بل في غياب الإرادة. فالاقتصاد لا ينهض بالأمنيات، وإنما بالقرار، والثقة، والعمل

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى