الوطن سفينة والقباطنة كثر بقلم: أميرة سكر

 

الوطن سفينة، والقباطنة كثر. وكثرة القباطنة لا تحفظ مساراً، بل تمزق مصيراً. لا ترفع شراعاً، بل تثقب قاعاً.

ثمانية عشر زعيما كل منهم يمسك دفة، وكل منهم يدّعي الحكمة وكل منهم له إقطاعيته، وجمهوره، ودفته ومرجعيته وحصته داخل السفينة الواحدة.

هذا يأمرها شرقاً، وذاك يجرها غرباً.

هذا يبني في أعلاها، وذاك يهدم في أسفلها.

وأما نحن، فلسنا إلا ركاباً مكبلين.

ننظر إلى الماء يتسلل من كل شق، ونسمع كل قبطان يقسم أنه وحده المنقذ، بينما السفينة تميل وتغرق.

تعبنا من الديمقراطية التوافقية التي حوّلت الحق إلى حصة، والمواطن إلى رقم في دفتر محاصصة.

تعبنا من دولة تتقاسم كل شيء إلا المسؤولية.

تتقاسم الوزارات والمقاعد والإدارات، وتتقاسم حتى الهواء…

لكنها، حين ينهار السقف فوق الرؤوس، وحين تحترق الأرض، وحين يصبح العدو على الأعتاب، تقف عاجزة. لا تحمي، ولا تمنع، ولا تقرر. لأن القرار موزع، ولأن السيادة مقسمة، ولأن السفينة بلا قبطان واحد.

والدولة التي يفترض أن تكون ظهراً وسنداً، تقف على الشاطئ تتفرج.

فأي وطن هذا الذي لا يصون أبناءه؟

وأي دستور هذا الذي لا يصون ترابه؟

لم يعد يجدي الترقيع.

ولم نعد نريد مواد تُفصّل على مقاس الطوائف وتُخاط على قياس الزعامات.

نريد أن نعود إلى السؤال الأول والأخير ما هو حقي كمواطن؟ وليس إلى أي طائفة أنتمي؟

نريد عقداً اجتماعياً جديداً، يبدأ من العدالة.

عدالة اجتماعية تمنع الجوع، وعدالة مجتمعية تصون التنوع بلا سجون.

نريد دولة واحدة، بجيش واحد يحمي الحدود، وقضاء واحد يحمي الحقوق، وقانون واحد يعلو على الجميع.

كفى دوراناً في عرض البحر وسفينتنا تترنح، لأن كل قبطان يظن نفسه وحده الربان.

كفى تبريراً للفشل باسم التوافق والمحاصصة اللتين صارتا مرادفتين للشلل والفساد.

إما أن ننزل اليوم كل القباطنة، ونسلم الدفة إلى دولة القانون…

وإما أن نختار الغرق بصمت، ونحن نتفرج على بعضنا.

لأن الوطن الذي لا يحتضن أبناءه،

لا يستحق أن نسميه وطناً.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى