لينا دياب- الرابع من آب… حين توقّف الزمن في بيروت

 

هناك تواريخ تمرّ في حياة الشعوب فتُسجَّل في الكتب، وهناك تواريخ لا تُكتب بالحبر، بل بالدموع، وتبقى محفورة في ذاكرة المدن مهما تعاقبت السنوات. الرابع من آب ليس مجرد تاريخ في الروزنامة اللبنانية، بل لحظة انكسر فيها الزمن. عند السادسة وثماني دقائق مساءً، دوّى الانفجار الذي لم يهزّ العاصمة فحسب، بل هزّ وجدان وطن بأكمله.

في ثوانٍ معدودة، تحوّل مرفأ بيروت إلى جرح مفتوح، وسقط أكثر من مئتي شهيد، وأصيب الآلاف، وتشرد مئات الآلاف، ودُمّرت أحياء بكاملها، في واحدة من أكبر الانفجارات غير النووية في التاريخ الحديث. لكن المأساة لم تكن في الانفجار وحده. كانت في شعور اللبنانيين بأن ما حدث لم يكن كارثة طبيعية، ولا قدرًا لا يمكن دفعه، بل نتيجة سنوات طويلة من الإهمال، والتقصير، وغياب المحاسبة.

ولهذا، لم يتحول الرابع من آب إلى ذكرى فقط، بل إلى قضية وطن، وإلى سؤال مفتوح ما زال اللبنانيون يبحثون عن إجابته. غير أن انفجار المرفأ لم يكن بداية الوجع اللبناني، بل كان ذروته. فهذا البلد الصغير عاش عقودًا من المخاض المؤلم. عرف الحرب الأهلية التي مزقت أبناءه، والاحتلالات التي أثقلت أرضه، والاغتيالات التي استهدفت رؤساء وقادة وسياسيين وإعلاميين ومفكرين، حتى أصبح الدم جزءًا من ذاكرته الوطنية. من اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري وما تبعه من سلسلة اغتيالات سياسية وأمنية، إلى الحروب المتكررة، مرورًا بالأزمات الدستورية والفراغات السياسية، وصولًا إلى الانهيار المالي الذي صادر أحلام الناس ومدخراتهم، بدا وكأن لبنان ينتقل من جرح إلى آخر دون أن يُمنح فرصة حقيقية ليلتئم. كانت كل أزمة تُدفن فوقها أزمة جديدة، وكل مصيبة تمحو ما قبلها، حتى اعتاد اللبناني أن يفيق على صدمة وينام على أخرى. ومع ذلك، ظل يحمل في داخله شيئًا يشبه المعجزة؛ قدرة لا تُفسَّر على النهوض، وإيمانًا بأن الغد قد يكون أفضل، حتى وإن كانت الوقائع تقول غير ذلك. ثم جاء الرابع من آب. لم يكن مجرد انفجار في عنبر داخل المرفأ، بل بدا وكأن الوطن كله انفجر في تلك اللحظة.

لم تسقط الأبنية وحدها، بل سقط معها جزء من ثقة اللبنانيين بدولتهم، وبمؤسسات كان يفترض أن تحميهم. وتحول المرفأ، الذي كان بوابة لبنان إلى العالم، إلى رمز للإهمال الذي يمكن أن يقتل مدينة بأكملها. لقد تغيّرت بيروت بعد ذلك اليوم. ليست الأبنية وحدها التي تهدمت، بل شيء عميق في نفوس الناس. هناك من فقد ابنه، وهناك من فقد زوجته، وهناك من فقد بيته، وهناك من فقد حلم عمره، وهناك من بقي حيًا، لكنه لم يعد كما كان.

فبعض الانفجارات تنتهي بعد دقائق، أما آثارها فتعيش في الإنسان سنوات، وربما عمرًا كاملًا. ورغم حجم الكارثة، أثبت اللبنانيون مرة جديدة أن هذا الشعب يمتلك من الحياة أكثر مما تمتلكه المآسي من قدرة على قتله. ففي الساعات الأولى بعد الانفجار، لم ينتظر الناس مؤسسات الدولة.

خرجوا من كل المناطق، حملوا المكانس، وأزالوا الركام، وفتحوا بيوتهم للمتضررين، وضمدوا جراحًا لم تكن تخصهم وحدهم. كانت تلك واحدة من أجمل صور التضامن الإنساني، حين سبق المجتمع دولته في القيام بواجبها. لكن التضامن، مهما بلغ، لا يستطيع أن يكون بديلًا عن العدالة. فالعدالة ليست مطلبًا سياسيًا، ولا شعارًا يُرفع في المناسبات، بل حق للشهداء، وحق لعائلاتهم، وحق لكل مواطن يريد أن يعيش في دولة تحميه. فالدم لا يُطوى بالنسيان، والمآسي لا تُعالج بالصمت، والجرح لا يلتئم إذا بقيت الحقيقة غائبة. ولهذا بقيت عائلات الضحايا، عامًا بعد عام، تحمل صور أحبائها، وتسير في الشوارع نفسها التي غمرها الزجاج والدم، مطالبةً بالحقيقة. لم تطلب انتقامًا، بل معرفة من سمح بأن تُخزَّن مواد شديدة الخطورة لسنوات في قلب العاصمة، ومن أهمل، ومن قصّر، ومن يتحمل المسؤولية. إن الدول لا تُقاس فقط بقدرتها على تجاوز الكوارث، بل بقدرتها على محاسبة المسؤولين عنها.

لأن العدالة ليست خدمة تقدمها الدولة للضحايا، بل واجب تؤديه تجاه نفسها أولًا. فحين تغيب المحاسبة، يصبح كل مواطن مشروع ضحية جديدة، ويصبح الإهمال سياسة، لا استثناء. واليوم، في الذكرى السادسة لانفجار مرفأ بيروت، يقف لبنان أمام ذاكرة ثقيلة، لا تزال تبحث عن خاتمة تليق بحجم المأساة.

فالحزن لم يعد جديدًا، لكن الألم ما زال حيًا، والأسئلة ما زالت أكبر من الأجوبة. لا يحتاج لبنان، والرابع من آب إلى المزيد من الخطابات، بل إلى شجاعة وطنية تعترف بأن الأوطان لا تنهض فوق الحقيقة المؤجلة. فقد دفع وطننا أثمانًا باهظة من الحروب، والاغتيالات، والانقسامات، والانهيارات، حتى بدا وكأنه يعيش مخاضًا لا ينتهي.

لكن الأمل لا يزال قائمًا، لأن هذا الشعب أثبت في كل مرة أنه أقوى من الركام. والوفاء الحقيقي لشهداء المرفأ لا يكون بإحياء الذكرى عامًا بعد عام، بل ببناء دولة لا تسمح بأن تتكرر المأساة، دولة يكون فيها القانون أقوى من النفوذ، والعدالة أقوى من المصالح، والحقيقة أقوى من الصمت. عندها فقط، لن يكون الرابع من آب مجرد يوم للحزن، بل اليوم الذي بدأ فيه لبنان استعادة نفسه، بعد أن كاد يفقدها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى