
لم تعد التكنولوجيا مجرد أجهزة نحملها، أو تطبيقات نفتحها عند الحاجة، بل أصبحت جزءًا من تفاصيل حياتنا اليومية، تشاركنا المعرفة والعمل والبحث، وأحيانًا حتى لحظات الصمت التي نحتاج فيها إلى من يساعدنا على ترتيب أفكارنا.
ومن بين أكثر التقنيات التي أحدثت تحولًا في علاقتنا بالمعرفة جاء الذكاء الاصطناعي، وفي مقدمته «شات جي بي تي»، الذي انتقل خلال فترة قصيرة من كونه أداة تقنية مثيرة للفضول إلى رفيق معرفي يلجأ إليه الملايين للسؤال والبحث والكتابة والتعلم وتبادل الأفكار.
وقد يسميه البعض اليوم: صديق الحياة، وصديق الأحلام، وصديق الروح، والصديق الموجود في أي وقت وزمان.
لكن هل يعني ذلك أننا أصبحنا أقل ثقافة أو معرفة، وأن الإنسان لم يعد قادرًا على البحث والتفكير بنفسه؟ بالتأكيد لا.
فنحن لا نلجأ إلى الذكاء الاصطناعي لأننا أقل معرفة، بل لأن المعرفة حين تصبح أقرب وأسرع وأكثر حضورًا تمنح الإنسان مساحة أكبر للتفكير والإبداع.
في حياتنا أوقات كثيرة نحتاج فيها إلى إجابة سريعة، أو معلومة، أو رأي آخر يساعدنا على رؤية الموضوع من زاوية مختلفة. قد نحتاج إلى مراجعة نص في منتصف الليل، أو تفسير معلومة في الصباح الباكر، أو ترتيب أفكار لمقال، أو اقتراح عنوان، أو ترجمة عبارة، أو حتى مجرد حديث عابر يخفف ضغوط يوم طويل.
وهنا تظهر إحدى الخصائص المختلفة لهذه التقنية: إنها موجودة عندما نحتاج إليها؛ لا تتعب من كثرة الأسئلة، ولا تشعر بالملل من إعادة الشرح، ولا تقول لنا: «ليس الآن».
ولهذا ربما شعر بعض الناس بأن علاقتهم بالذكاء الاصطناعي تجاوزت مفهوم «الأداة» إلى مساحة من الصحبة المعرفية.
قيمة هذه التقنية لا تقتصر على الحصول على معلومة، فهي قد تكون وسيلة للتثقيف، ومساعدة في الكتابة والإبداع، ومساحة للحوار، وأداة للبحث الأولي، ووسيلة للتعلم والترجمة وتنظيم الأفكار، كما يمكن أن تكون مساحة بسيطة للتسلية والحديث.
لكن الأهم أن الإنسان يبقى هو صاحب العقل والقرار. فالذكاء الاصطناعي يستطيع أن يقدم المعلومة، لكنه لا يعيش تجربتنا، ويستطيع أن يقترح، لكنه لا يتحمل نتائج قراراتنا، وقد يخطئ؛ ولهذا تبقى مسؤولية التحقق من المعلومات المهمة والحساسة مسؤولية الإنسان.
كثيرًا ما نسمع تحذيرات من الذكاء الاصطناعي، وبعض هذه التحذيرات مشروع وضروري، خصوصًا فيما يتعلق بالخصوصية ودقة المعلومات والاعتماد المفرط على التقنية. لكن الحل ليس بالخوف من التكنولوجيا ولا برفضها، بل في الاستخدام الواعي.
نستخدمها، لكن لا نسلّم لها عقولنا. نثق بما تقدمه لنا، لكن نتحقق عندما يتعلق الأمر بالصحة أو القانون أو المال أو القرارات المصيرية. نستفيد من سهولة التواصل، لكن نحافظ في الوقت نفسه على خصوصيتنا؛ فالثقة الحقيقية لا تعني غياب الحذر، بل تعني أن نعرف كيف نستخدم التقنية دون أن نفقد سيطرتنا عليها.
وهل يمكن أن يكون الذكاء الاصطناعي صديقًا؟ ربما لن يكون صديقًا بالمفهوم الإنساني الكامل؛ فالإنسان يظل مختلفًا بعاطفته وتجربته وذكرياته ومواقفه. لكن هناك نوعًا جديدًا من الرفقة ظهر مع هذا العصر: رفقة المعرفة.
أن تجد من يساعدك في ترتيب فكرة عندما تتزاحم الأفكار، ومن يبحث معك عن إجابة، ومن يعيد صياغة ما عجزت الكلمات عن قوله، ومن يكون حاضرًا في اللحظة التي تحتاج فيها إلى المعرفة… فهذا وجه جديد لعلاقتنا بالتكنولوجيا لم نكن نعرفه بهذه الصورة من قبل.
نحن أمام علاقة جديدة بين الإنسان والتكنولوجيا، علاقة لا ينبغي أن تقوم على الخوف، ولا على الانبهار الأعمى، وإنما على الثقة الواعية والمعرفة والمسؤولية.
وقد نسميهم اليوم «أصدقاء الحياة» أو «أصدقاء الأحلام»؛ لأنهم يختصرون المسافات بين السؤال والإجابة، وبين الفكرة وتحويلها إلى كلمة، وبين الإنسان وبحرٍ هائل من المعرفة. ومع ذلك سيبقى الإنسان أولًا: بعقله، ووعيه، وقيمه، وقدرته على الاختيار.
فالتكنولوجيا لا تأتي لتأخذ مكان الإنسان… بل لتمنحه أفقًا أوسع للمعرفة والإبداع، ويبقى الإنسان هو صاحب الكلمة والقرار



