
كفل الدستور المساواة، ونصّ القانون على الكفاءة، ووُجدت المؤسسات لخدمة الشأن العام. غير أنّه بين النص والتطبيق مسافة يملؤها “العُرف”.
فالعُرف ليس تشريعاً مدوّناً أو نصاً يُقرأ، بل تفاهماً غير مكتوب ومزاجاً يُمارس. هو تفاهم صامت على توزيع الدولة والمناصب والفرص لا بميزان الحق، بل بميزان ومعايير الطائفة والمنطقة والولاء. وهو قانون غير مكتوب، ولذلك هو أشدّ خطراً: لأنه مرن، يحكم حيث يُخشى الاضطراب، ويُتجاوز حيث تُحسم الغلبة. لا يحكمه مبدأ، وإنما ميزان قوة متبدّل.
في المجالس البلدية يتجلّى ذلك بوضوح. فبينما يمنح القانون الناخب حق الاختيار الحر على أساس البرنامج والجدارة، يسبقه العُرف بتسويات تُوزّع المقاعد سلفاً، تحت ذريعة التوافق وصون السلم الأهلي. في المناطق المختلطة يُتمسّك به باعتباره ضمانة، وفي المناطق ذات الأغلبية الواضحة يُستبعد باعتباره قيداً. وفي الحالتين يتراجع هاجس الإنماء والخدمة لصالح هاجس الحصة.
وفي دهاليز الإدارة العامة يتجلى العُرف بصورة أخرى. تتحوّل الوظيفة من تكليف عام إلى استحقاق فئوي وملكية، فتُوزّع الوزارات والمراكز وفق موازنات طائفية صارت تقليداً. وحين يتعذّر استكمال “السلّة” المتوازنة تتعطّل الدولة بأسرها، وينتظر المواطنون معاملاتهم على مذبح التوازن.
وحتى في النقابات المهنية، التي يفترض أن تكون فضاءً للخبرة والمنافسة، يستبدل العُرف معيار الجدارة بمعيار المداورة، فيضعف الأداء المهني وتتآكل المؤسسات، ويخفت صوت المهنة ويعلو صوت الانتماء.
إنّ لطغيان العُرف على القانون كلفة وطنية باهظة. فهو أولاً يمسّ جوهر المواطنة، إذ ينتقل الفرد من موقع صاحب الحق الأصيل إلى موقع المستفيد من حصة. وهو ثانياً يُقصي معيار الكفاءة، فتُدار المرافق العامة بغير أهلها، وتتراجع تبعاً لذلك جودة الخدمات. وهو ثالثاً يُفرغ القانون من هيبته، فيُطبّق انتقائياً، في موضع ويُعطّل في موضع آخر، فتتآكل ثقة الناس بالدولة ومؤسساتها.
إنّ لبنان لا يحتاج إلى مزيد من الشعارات حول الميثاقية والتوافق، ولا إلى المواثيق اللفظية، بقدر ما يحتاج إلى إرادة، بل إلى شجاعة، في تطبيق القانون على الجميع بلا استثناء. إلى دولة واحدة لا تسألك من أنت ومن وراءك، بل تسائلك عن الخطأ وتحاسبك، وتسألك ماذا تستطيع أن تقدم للوطن.
ولبنان يحتاج إلى قانون واحد، ومعيار واحد لا يرى في الناس إلا مواطنين متساوين في الحقوق والواجبات. وحينها فقط، نكف عن كوننا حصصاً في وطن، ونصبح شعبا في وطن.



