حين يصبح القناع أقوى من الوجه بقلم العميد المتقاعد هاني غصين

 

ليس كل من يتحدث عن الأخلاق يعرفها، ولا كل من يرفع صوته دفاعًا عن الحق يؤمن به. بعض الناس لا يعيشون بما يقولون، بل يعيشون بما يستطيعون إقناع الآخرين أنهم عليه.

وهنا تبدأ الحكاية الأخطر: حين يصبح الإنسان بارعًا في صناعة صورة عن نفسه، إلى درجة أنه يقضي عمره في حماية هذه الصورة أكثر مما يقضي عمره في إصلاح حقيقته.

قد تجد شخصًا يتحدث عن الكرامة، لكنه لا يتردد في إهانة من هو أضعف منه. يتحدث عن الوفاء، وهو أول من يبيع العِشرة عند أول مصلحة. يطالب الآخرين بالصدق، بينما حياته قائمة على أنصاف الحقائق. يرفع راية المبادئ أمام الناس، ثم يضعها جانبًا عندما تتعارض مع مصلحته.

المشكلة هنا ليست في التناقض وحده؛ فكل إنسان يخطئ ويتناقض أحيانًا. المشكلة في أن يصبح التناقض منهج حياة، وأن يتحول الكذب إلى مهارة، والتبرير إلى أسلوب دفاع، وإلقاء اللوم على الآخرين إلى وسيلة دائمة للهروب من المسؤولية.

والأغرب أن بعض هؤلاء لا يخافون من انكشاف حقيقتهم بقدر ما يخافون من فقدان السيطرة على الآخرين.

لذلك يستفزونك كي تفقد هدوءك، ثم يستخدمون انفعالك دليلاً ضدك. يستفزونك حتى تتكلم، ثم يقتطعون من كلامك ما يخدم روايتهم. يخطئون، ثم يجعلونك تدفع ثمن خطئهم لأنك اعترضت عليه.

إنها لعبة مرهقة، ولا يفوز فيها الأكثر حقًا، بل الأكثر قدرة على التلاعب.

لكن هناك خطأ يرتكبه أصحاب القلوب الطيبة كثيرًا: يعتقدون أن حسن نيتهم سيجعل الطرف الآخر حسن النية أيضًا. يعطون فرصة بعد فرصة، ويفسرون الإساءة بحسن الظن، ويبحثون عن أعذار لمن لا يبحث عن عذر لهم.

حتى تأتي لحظة يدركون فيها أن المشكلة لم تكن في عدم فهمهم لذلك الشخص، بل في أنهم كانوا يحاولون العثور على إنسانية في مكان لا يريد أن يقدمها لهم.

عندها يجب أن يتغير شيء.

ليس المطلوب أن تصبح قاسيًا، بل أن تصبح أكثر وعيًا.

ليس المطلوب أن تشك في الجميع، بل أن تتعلم أن تراقب الأفعال قبل الكلمات.

ليس المطلوب أن تدخل كل معركة، بل أن تعرف أي معركة تستحق حضورك.

فالإنسان الناضج لا يقيس الناس بما يقولونه عن أنفسهم، وإنما بما يفعلونه عندما لا تكون هناك مصلحة، وعندما يغضبون، وعندما يملكون السلطة، وعندما يختلفون مع شخص لا يستطيع أن يرد لهم الأذى.

هناك تظهر الأخلاق الحقيقية.

أما الكلمات، فيستطيع الجميع حفظها.

لهذا لا تجعل أحدًا يقنعك بأنك سيئ لأنك وضعت حدًا لسوء معاملته، أو بأنك متكبر لأنك رفضت الإهانة، أو بأنك قاسٍ لأنك قررت ألا تسمح بتكرار ما يؤذيك.

أحيانًا يكون الابتعاد أرقى من المواجهة، والصمت أبلغ من التبرير، وإغلاق الباب أكثر حكمة من محاولة إقناع من يقف خلفه بأنه كان مخطئًا.

ولا تبحث دائمًا عن انتصار على من أساء إليك.

يكفي أن تخرج من تجربتك دون أن تحمل منها طباعه.

فأجمل انتصار ليس أن تجعل الآخر يندم، بل أن تحافظ على نفسك دون أن تتحول إلى الشخص الذي كنت تحاول الهروب منه.

في هذا العالم، قد تخدع المظاهر بعض الوقت، وقد تصنع الكلمات صورة جميلة، وقد ينجح القناع في إقناع كثيرين.

لكن الزمن لديه عادة واحدة لا تتغير:

إنه يسقط الأقنعة ببطء، ويترك الإنسان في النهاية أمام حقيقة أفعاله.

وعندما يسقط كل شيء، لا يبقى المنصب، ولا التصفيق، ولا الصورة التي صنعتها للناس.

يبقى فقط: من كنت عندما لم يكن أحد يراك؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى