رُلى فريد الحلو… حين يتحوّل الوجع إلى قضية، والإعاقة إلى قوة

 

كتب الإعلامي جورج الياس معلولي مؤسس موقع @almar2a_mariam_media @almar2a mariam media

في زمنٍ تُقاس فيه أحيانًا قيمة الإنسان بما يملك من قدرة على الحركة، تأتي رُلى فريد الحلو لتقول لنا إن الإنسان لا يُقاس بخطواته، بل بما يتركه من أثر. هي إعلامية رائدة، وشاعرة، وناشطة اجتماعية وحقوقية، ووجه نسائي لبناني اختار أن يحوّل تجربته الشخصية إلى رسالة عامة، وأن يجعل من التحدي طريقًا إلى الإنجاز.

في طفولتها، تعرّضت رُلى لحادث أَقعدها، وكان يمكن لهذا الحدث أن يرسم نهايةً مبكرة لأحلام كثيرة. لكنها اختارت الطريق الأصعب والأجمل: أن تواجه الواقع بالإيمان، وأن تجعل من تجربتها مصدر قوة لا مصدر انكسار. لم تسمح لكرسيها المدولب أن يكون حدودًا لحياتها، بل جعلته شاهدًا على إرادة امرأة لم تقبل يومًا أن تكون الإعاقة حاجزًا أمام طموحها.

دخلت رُلى عالم الإعلام من أبوابه الواسعة، فعملت في عدد من الصحف والمجلات اللبنانية والعربية، وأعدّت وقدّمت برامج إذاعية وتلفزيونية، كما عملت مذيعة في الإعلام المرئي في قناة OTV، ومراسلة للراديو الفلسطيني. ولم تتوقف تجربتها عند الظهور الإعلامي، بل تولّت أيضًا مسؤوليات تحريرية، فكانت مديرة تحرير موقع «أخبار لبنان»، كما عملت مستشارة إعلامية لعدد من الفنانين والعاملين في المجال الفني والإعلامي.

لكن الإعلام بالنسبة إلى رُلى لم يكن مجرد مهنة. كان منبرًا للدفاع عن الإنسان.

ومن هنا برز دورها الاستثنائي في مجال حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة. أسست الشبكة المسكونية لقضايا الإعاقة، وكانت عضوًا مؤسسًا في جمعية SMART، ومن مؤسسي جمعية HALTECK، وعضوًا مؤسسًا في الملتقى اللبناني للنساء ذوات الإعاقة، إضافة إلى عضويتها في هيئة الظل لجمعية CRC.

إنها ليست امرأة تتحدث عن حقوق ذوي الإعاقة من خلف مكتب، بل امرأة اختبرت التحدي بنفسها، وعرفت معنى أن يصطدم الإنسان بحواجز المجتمع قبل أن يصطدم بحاجز الجسد. ولذلك جاءت قضيتها صادقة، شرسة، ومبنية على تجربة لا على شعارات.

وإلى جانب نشاطها الحقوقي، تعمل رُلى في الجامعة اللبنانية – قسم شؤون الطلاب، وتشارك مدرّبةً ومحاضرةً في ندوات ومؤتمرات تتناول قضايا الأشخاص ذوي الإعاقة، وقد حملت صوت لبنان إلى مؤتمرات عربية ودولية في مختلف أنحاء العالم.

ولأن الطموح عند رُلى لا يعرف حدودًا، لم تكتفِ بالإعلام والعمل الاجتماعي والحقوقي، بل دخلت عالم الأدب والشعر. فهي شاعرة لها إصدار بعنوان «اشتقتُ إلى الخطيئة»، فيما تستعد لثلاثة إصدارات جديدة قيد الطباعة. وكأنها بذلك تؤكد أن الجسد قد يحدّ من حركة الإنسان، لكنه لا يستطيع أن يضع حدودًا لروحه أو فكره أو خياله.

رُلى فريد الحلو شخصية قوية ومثابرة وطموحة، لكنها في الوقت نفسه امرأة حنونة، رقيقة المشاعر، تعرف معنى الصداقة وتقدّرها، وتكون صارمة وحاسمة عندما يتعلق الأمر بكرامتها أو بحقوقها. وهي لا تقبل أن يقلّل أحد من قيمتها أو يتعامل معها بمنطق الشفقة؛ لأنها لا تريد شفقة أحد، بل تريد احترامًا كاملًا وإنصافًا كاملًا.

وقد تكون حدّتها أحيانًا صادمة لمن لا يعرفها، لكنها في الحقيقة ابنة معركة طويلة مع مجتمع لم يكن دائمًا مهيأً لاستقبال أصحاب الإرادة المختلفة. هي حادة عندما يُنتهك حق، وصارمة عندما تُهان كرامة، ومخلصة عندما تحب، ووفية عندما تصادق.

الأجمل في رُلى أنها لم تسمح للحادث الذي غيّر جسدها أن يغيّر روحها.

تذهب إلى المؤتمرات، تشارك في النشاطات، تسافر، تحاضر، تدافع، تكتب، تحاور، وتتحرك حيث يجب أن تكون، ولو كان الطريق صعبًا، ولو كان الكرسي المدولب يسبقها في كل خطوة. هي لا تسأل: «هل المكان مناسب لي؟»، بل تدخل وتسأل: «لماذا لم تجعلوا المكان مناسبًا للجميع؟»

وهنا تكمن رسالتها الحقيقية.

رُلى فريد الحلو ليست فقط إعلامية على الشاشة، ولا ناشطة في المؤتمرات، ولا شاعرة تحمل كتابًا. إنها قصة إنسانة رفضت أن تكون ضحية لظرفها، فاختارت أن تكون صوتًا لمن لا صوت لهم.

لقد أخذت من الألم قوته، ومن الإيمان ثباته، ومن الإعلام منبره، ومن الشعر لغته، ومن الحياة درسها الأكبر: أن الإنسان يستطيع أن ينتصر، لا لأنه لم يسقط يومًا، بل لأنه في كل مرة سقط فيها، عرف كيف ينهض بطريقة أقوى.

رُلى فريد الحلو… امرأة لم يمنعها كرسيٌّ من الوصول، ولم تمنعها الإعاقة من الحضور، ولم تمنعها الصعوبات من الحلم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى