ليا عادل معماري… إعلامية تحمل رسالة وتؤمن بقوة الإنسان

 

بقلم الاعلامي جورج الياس معلولي مؤسس موقع Almar2a Mariam Media

في زمنٍ أصبح فيه الإعلام أحيانًا أسير السرعة والصورة العابرة، تبرز شخصيات اختارت أن تجعل من الإعلام رسالة، ومن الكلمة مسؤولية، ومن الحضور المهني مساحةً لخدمة الإنسان والمجتمع. ومن بين هذه الشخصيات النسائية اللبنانية الرائدة، تبرز الإعلامية والباحثة ليا عادل معماري، ابنة عكار، التي استطاعت أن تبني لنفسها مسيرة مهنية وثقافية وإنسانية لافتة، وأن تثبت أن المرأة اللبنانية قادرة على الوصول إلى مواقع متقدمة حين تمتلك المعرفة والإرادة والإيمان برسالتها.

بدأت معماري مسيرتها الإعلامية في سن مبكرة، متنقلة بين الصحافة والإذاعة والتلفزيون، وخاضت تجارب مهنية في مؤسسات إعلامية معروفة، بينها جريدة السفير ومحطتا نورسات وتيلي لوميير. وقد أسهم هذا التنوع في صقل شخصيتها الإعلامية، فمنحها خبرة ميدانية واسعة وقدرة على التعامل مع مختلف الملفات والقضايا، ولا سيما القضايا الاجتماعية والثقافية والإنسانية والدينية.

لكن ما يميز ليا معماري لا يتوقف عند حدود العمل الإعلامي التقليدي، فهي استطاعت أن تجمع بين الإعلام والبحث والعلاقات الكنسية والعمل الثقافي والإنساني، وهو ما منح تجربتها خصوصية واضحة.

وفي مجلس كنائس الشرق الأوسط، تتولى مسؤوليات إعلامية وعلاقات كنسية وإعلامية، كما ارتبط اسمها بعملها في مجال التواصل والإعلام، وبإدارة “منبر الكلمة”، لتكون الكلمة بالنسبة إليها أكثر من مهنة؛ إنها وسيلة للتقارب والحوار وإيصال صوت الكنيسة وقضايا الإنسان إلى الرأي العام.

كما تولت رئاسة اللجنة الإعلامية في المرشدية العامة للسجون في لبنان، في تجربة تعكس اهتمامها بالإنسان في ظروفه الصعبة، وإيمانها بأن الإعلام الحقيقي لا يكتفي بتسليط الضوء على أصحاب النفوذ والنجاح، بل يلتفت أيضًا إلى المهمشين والمحتاجين وإلى كل إنسان يبحث عن فرصة ثانية وحياة أكثر كرامة.

وعلى الصعيد الثقافي، تشغل معماري منصب أمينة السر في نادي الشرق لحوار الحضارات وعضوًا في هيئته الإدارية، لتضيف إلى مسيرتها بعدًا آخر يقوم على الحوار والانفتاح والتقارب بين الثقافات والحضارات. وهذا الدور ينسجم مع شخصيتها التي تؤمن بأن الاختلاف لا ينبغي أن يتحول إلى صراع، وأن الحوار هو الطريق الأقصر لبناء جسور التواصل بين الناس.

أما أكاديميًا، فقد اهتمت ليا معماري بالبحث في مجالات الحقوق والعلوم السياسية والإدارية، ما منح تجربتها الإعلامية عمقًا معرفيًا يتجاوز حدود المهنة إلى فضاء الفكر والتحليل والدراسة.

وتتمتع معماري بشخصية قوية وحضور واثق، وهي من النساء اللواتي استطعن أن يفرضن احترامهن في بيئة مهنية تحتاج إلى الكثير من الجرأة والثبات والمعرفة. قوتها لا تبدو مجرد صلابة في المواقف، بل قدرة على الاستمرار والتطور وتحمل المسؤولية، مع المحافظة على البعد الإنساني الذي يرافق عملها.

كما أن حضورها في تغطية المناسبات الدينية والكنسية في لبنان وخارجه، وارتباطها بالعمل الإعلامي الكنسي، جعلاها صوتًا حاضرًا في الكثير من المحطات الروحية والوطنية، تنقل الحدث وتوثقه وتضعه أمام الجمهور بلغة إعلامية قريبة من الناس.

ولا يمكن إغفال نشاطها الإنساني والجمعياتي، إذ اختارت أن يكون لها حضور في خدمة المجتمع، وأن تجعل من نجاحها المهني وسيلة للتأثير الإيجابي والمساهمة في قضايا تتصل بالإنسان وكرامته وحقوقه.

وقد نالت مسيرتها تقديرًا دوليًا، واختيرت ضمن قائمة أفضل خمسين شخصية في العالم لعام 2024، وهو تقدير يعكس حضورًا تجاوز الإطار المحلي إلى مساحة أوسع، ويشكل محطة مهمة في مسيرة إعلامية وبحثية وإنسانية تستحق التقدير.

ليا عادل معماري ليست مجرد إعلامية تظهر على الشاشة؛ إنها نموذج للمرأة اللبنانية التي جمعت بين المعرفة والحضور والشخصية والإرادة. امرأة آمنت بأن الإعلام يمكن أن يكون جسرًا بين الإنسان والإنسان، وبين الكنيسة والمجتمع، وبين الثقافة والحوار، وأن الكلمة حين تكون صادقة ومسؤولة تستطيع أن تترك أثرًا يتجاوز لحظة بثها.

ومن عكار التي أنجبت الكثير من الشخصيات اللبنانية المميزة، انطلقت ليا معماري لتؤكد أن المرأة اللبنانية قادرة على أن تكون حاضرة في الإعلام والثقافة والبحث والعمل الإنساني، وأن النجاح الحقيقي لا يُقاس بعدد المناصب التي يتولاها الإنسان، بل بحجم الأثر الذي يتركه في حياة الآخرين.

إنها مسيرة امرأة اختارت أن تجعل من الإعلام رسالة، ومن المعرفة قوة، ومن الحوار طريقًا، ومن خدمة الإنسان قضية؛ ولهذا تستحق ليا عادل معماري أن تكون من الشخصيات النسائية اللبنانية الرائدة التي يُحتفى بتجربتها ويُسلَّط الضوء على إنجازاتها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى