الراعي من كفرصغاب: لبنان لا يُبنى بالمصالح والطوائف… حرّروا القرار الوطني وأعيدوا الدولة إلى كل أرضها

أكد صاحب الغبطة والنيافة الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي، بطريرك أنطاكية وسائر المشرق للموارنة، أن لبنان لم يعد يحتمل مزيدًا من الوعود وتبادل الاتهامات، بل يحتاج إلى مسؤولين يتحررون من المصالح الشخصية والطائفية والحزبية، ويضعون المصلحة الوطنية فوق كل اعتبار، ويعيدون للدولة سيادتها وهيبة مؤسساتها وحضورها الكامل على مساحة الوطن.

كلام البطريرك الراعي جاء خلال ترؤسه الذبيحة الإلهية في كنيسة مار أوتل في كفرصغاب، لمناسبة عيد القديس أوتل، حيث انطلق في عظته من قول المسيح للشاب الغني: «بِعْ كُلَّ ما لَكَ… وتَعالَ اتْبَعْني» (لو 18: 22)، ليعطي هذه الدعوة بُعدًا وطنيًا، معتبرًا أن بناء الوطن يقتضي أيضًا أن يعرف المسؤول ما الذي يجب أن يتخلى عنه من أجل الخير العام: «مصلحة ضيقة، امتياز شخصي، حساب طائفي، أو مكسب حزبي من شأنه أن يمنع الوصول إلى قرار وطني كبير».

الراعي: لبنان يحتاج إلى وضوح في الأولويات والانتقال من المواقف إلى المسؤولية

وشدد الراعي على أن لبنان يحتاج، في هذه المرحلة الدقيقة، إلى وضوح في الأولويات وإلى الانتقال من المواقف إلى المسؤولية، مؤكدًا أن المسؤولية الوطنية لا تُقاس بكثرة الشعارات والاجتماعات، بل بالقدرة على اتخاذ القرارات وتنفيذها، وبما يلمسه المواطن فعليًا في حياته وأمنه وكرامته.

ولفت إلى أن اللبنانيين لم يعودوا بحاجة إلى معرفة «من يلوم من»، بل إلى معرفة من يتحمل مسؤوليته ويبدأ بالحل، معتبرًا أن الإصلاح لم يعد يحتمل مزيدًا من الوعود، بل يتطلب خطوات جدية تعيد ثقة المواطنين بالدولة ومؤسساتها، وتترجم الإصلاح ممارسة فعلية في القانون والإدارة والمحاسبة.

الجنوب أولًا: حماية الأهالي ومنع التصعيد وإعادة الناس إلى قراهم

وفي مقاربته للوضع في الجنوب، شدد البطريرك الراعي على أن الأولوية تبقى حماية الأهالي ومنع الانزلاق إلى مزيد من التصعيد، وإعادة الاستقرار إلى القرى والبيوت، بما يمكّن المواطنين من البقاء في أرضهم بأمان وكرامة.

وأكد ضرورة أن تؤدي المفاوضات إلى نتائج واضحة وملموسة، وأن يقترن أي اتفاق بالقدرة على التنفيذ والالتزام به، لأن الناس، كما قال، لم تعد تقيس الأمور بكثرة الاجتماعات بل بما يتحقق فعليًا على الأرض.

وأشار إلى أن أبناء المناطق المتضررة يحتاجون إلى الأمان والاستقرار والعودة إلى منازلهم وأرزاقهم، وإلى حلول تحمي حياتهم ومستقبلهم، بعيدًا من استمرار حال القلق والانتظار.

لا سيادة بالشعارات: المطلوب حضور الدولة وقرار شرعي ومؤسسات تنفذ القانون

وفي موقف بارز حول السيادة، أكد الراعي أن المطلوب هو حضور كامل للدولة على مساحة الوطن، وقرار شرعي واضح، ومؤسسات قادرة على حماية الحقوق وتنفيذ القانون، مشددًا على أن هيبة الدولة لا تصنعها الشعارات، بل حضورها الفعلي وقدرتها على اتخاذ القرار وتحمل المسؤولية.

وقال إن لبنان يحتاج إلى الانتقال من تبادل الاتهامات إلى قرارات فعلية تخدم المصلحة الوطنية، لأن اللبناني لا يريد أن يبقى أسير سجالات سياسية لا تغيّر شيئًا في واقعه، بل يريد دولة تتحمل مسؤولياتها، وقانونًا يُطبق، ومؤسسات تستعيد ثقة الناس.

الراعي: إعادة الإعمار هي إعادة الإنسان إلى أرضه ومستقبله

ووضع الراعي إعادة الإعمار وعودة الأهالي في صلب الأولويات الوطنية، مؤكدًا أن المناطق المتضررة ليست مجرد ملف، والبيوت ليست أرقامًا، بل وراءها عائلات وذكريات وحياة كاملة.

واعتبر أن إعادة الإعمار لا تختصر بإعادة تشييد الحجر، بل تعني إعادة الإنسان إلى أرضه ومستقبله، ولذلك لا يجوز أن تبقى رهينة الحسابات السياسية أو التأجيل، بل ينبغي أن تشكل مسؤولية وطنية ملحة.

تحذير من الانقسام: لبنان يحتاج إلى لغة وطنية تجمع أبناءه

وحذر البطريرك الراعي من تحول الخلافات السياسية إلى خطاب طائفي أو إلى انقسام جديد بين اللبنانيين، داعيًا إلى لغة وطنية جامعة تلتقي حول ما يجمع اللبنانيين لا حول ما يفرقهم.

وأكد أن الوحدة الوطنية هي القاعدة التي يقوم عليها أي مشروع إنقاذ وإصلاح وإعادة بناء، وأن لبنان لا يستطيع النهوض فيما أبناؤه موزعون بين الحسابات والمصالح الضيقة.

وربط الراعي بين هذا الموقف الوطني وكلمة الإنجيل «بِعْ كُلَّ ما لَكَ… وتَعالَ اتْبَعْني»، معتبرًا أن معناها في الحياة العامة هو أن يتحرر المسؤول من كل مصلحة تمنعه من قول الحقيقة واتخاذ القرار الصحيح، وأن يصبح الخير العام أقوى من الموقع، والوطن أكبر من الطائفة والحزب والمصلحة.

من كفرصغاب: لا قيامة للدولة من دون مسؤولية وسيادة ووحدة

وكان البطريرك الراعي قد وصل إلى كفرصغاب قرابة السادسة والربع مساء، حيث أقيم له استقبال كنسي وشعبي، قبل أن ينتقل في موكب احتفالي إلى كنيسة مار أوتل.

وعاون غبطته في القداس المطران جوزيف نفاع، النائب البطريركي العام على منطقتي الجبة وإهدن – زغرتا، والمطران الياس نصار، النائب البطريركي، والمطران يوسف سويف، راعي أبرشية طرابلس المارونية، إلى جانب المونسنيور أنطوان مخايل والخوري أوتل موسى والخوري يوسف قسطنطين. وكان الخوري أوتل موسى قد ألقى في مستهل الاحتفال كلمة ترحيب بصاحب الغبطة والأساقفة باسم الرعية وأبناء كفرصغاب.

واختتم الراعي عظته بالصلاة من أجل لبنان ووحدته وسلامه، طالبًا بشفاعة القديس أوتل أن يحفظ الله كفرصغاب وأهلها ولبنان.

ومن كفرصغاب، اختصر البطريرك الراعي معادلة المرحلة: لا يكفي أن نتحدث عن إنقاذ لبنان، بل المطلوب التخلي عما يمنع إنقاذه؛ فلا دولة من دون سيادة، ولا سيادة من دون مؤسسات وقرار شرعي، ولا إصلاح من دون محاسبة، ولا إعمار من دون عودة الناس إلى أرضهم، ولا وطن إذا بقيت المصلحة الخاصة أقوى من المصلحة الوطنية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى