‎ليلى الداهوك.. امرأة حوّلت الإيمان إلى قوة، والألم إلى رسالة، والكلمة إلى قضية

 

‎كتب الاعلامي جورج الياس معلولي مؤسس موقع Almar2a Mariam Media

‎في سلسلة «وجوه نسائية رائدة»، نلتقي اليوم شخصية يصعب اختصارها في لقب واحد.

‎هي إعلامية، وصحافية، وشاعرة، وباحثة في شؤون المجتمع، ومربية، وامرأة مؤمنة جعلت من إيمانها سندًا في أصعب مراحل الحياة. وخلف هذه الصفات جميعًا، تقف إنسانة اختبرت الحياة بعمق، وعرفت معنى أن تسلك بعض الطرق وحيدة، وأن تربي أبناءها وسط التحديات، وأن تخفي دموعها في قلبها وتواصل المسير.

‎إنها الإعلامية والشاعرة ليلى الداهوك.

‎من طفلة شغوفة بالكلمة إلى صحافية في «الديار»

‎لم تبدأ علاقة ليلى الداهوك بالإعلام عندما بلغت سن الشباب، بل نشأت معها منذ طفولتها.

‎ففي الثانية عشرة من عمرها، بدأت إعداد وتقديم برنامج للأطفال عبر أثير إذاعة «لبنان الجديد» بعنوان «دو ري مي»، واستمرت في تقديمه عامًا كاملًا. وكانت منذ صغرها تتميز بقدرتها على الإلقاء والقراءة، حتى إن إدارة مدرستها كانت تختارها للقراءة أمام مفتشي وزارة التربية. وفي الثالثة عشرة، كتبت قصيدتها الأولى، وكأن الكلمة كانت منذ البداية جزءًا أصيلًا من تكوينها.

‎وحين اختارت تخصصها الجامعي، لم يكن توجهها إلى علم الاجتماع مصادفة. فقد درست العلوم الاجتماعية في الجامعة اللبنانية، وحصلت على إجازة في علم الاجتماع، ثم نالت شهادة الجدارة في الاختصاص. كما تابعت دراسة التربية الحضانية، وحصلت على دبلوم مهني في التربية. كانت تسعى إلى فهم الإنسان والمجتمع قبل الحديث عنهما، وإلى امتلاك أدوات تتيح لها مقاربة القضايا من زوايا متعددة.

‎ومن هنا بدأت مسيرتها المهنية الطويلة.

‎عملت مراسلة إخبارية في تلفزيون كيليكيا، ثم معدة ومقدمة برامج إذاعية، قبل أن تنتقل إلى الصحافة السياسية في جريدة الديار بين عامي 1996 و1998، حيث تولت إجراء المقابلات وإعداد التحقيقات السياسية والاقتصادية والاجتماعية. كما تابعت ملفات مرتبطة بوزارات المالية والاقتصاد والزراعة، إلى جانب تحقيقات ومقابلات تناولت الوضع الفلسطيني في لبنان.

‎وتكشف هذه البداية الكثير عن شخصيتها؛ فهي لم تختر الطريق الأسهل، بل انخرطت منذ سنواتها المهنية الأولى في صميم الملفات التي تتطلب معرفة وجرأة وقدرة على البحث والتحليل.

‎إعلام يتجاوز نقل الخبر

‎على امتداد سنوات عملها، تنقلت ليلى بين الصحافة المكتوبة والإذاعة والتلفزيون، فعملت مراسلة ومعدة ومقدمة برامج وكاتبة وباحثة ومديرة مسؤولة، وشاركت في مؤتمرات وندوات سياسية واجتماعية واقتصادية. كما أعدت برامج لصالح محطات عربية بارزة، واهتمت بقضايا اجتماعية وروحية وثقافية وشبابية.

‎غير أن ما يميز تجربتها الإعلامية لا يتمثل في عدد المؤسسات التي عملت فيها، بل في طبيعة القضايا التي اختارت مقاربتها.

‎فليلى تدخل إلى الإعلام محمّلة بتكوينها في علم الاجتماع وإيمانها بالإنسان. لذلك لا تتعامل مع القضية الإنسانية بوصفها خبرًا عابرًا، ولا مع معاناة الناس باعتبارها مادة للاستهلاك الإعلامي.

‎إنها تبحث عن الإنسان الكامن خلف الخبر:

‎عن المظلوم الذي لا يجد من يصغي إليه،

‎وعن الأم التي تتحمل ما يفوق طاقتها،

‎وعن الطفل العاجز عن الدفاع عن نفسه،

‎وعن الأسرة التي أنهكها الواقع،

‎وعن اللبناني الذي يعيش يوميًا تحت وطأة الأزمات والانهيار والخوف.

‎وقد تجلّى هذا الجانب بوضوح في أعمالها وتحقيقاتها الاجتماعية والإنسانية، وكذلك في كتاباتها ومقالاتها التي تناولت قضايا المجتمع والإنسان. ومن أمثلة ذلك تحقيقاتها المنشورة في مجلة «الأمن» حول قضايا اجتماعية وصحية وتربوية وإنسانية.

‎الإيمان… قوة لا يراها الجميع

‎خلف هذه المرأة النشيطة، التي تبدو دائمًا قادرة على العمل والعطاء، تكمن مساحة أكثر عمقًا: الإيمان.

‎فدراسة اللاهوت لم تكن بالنسبة إلى ليلى مجرد تحصيل معرفي، بل أصبحت جزءًا من رؤيتها إلى الحياة والإنسان والألم. درست اللاهوت ونشرت رسالة المحبة من خلال التعليم المسيحي لمدة خمسة عشر عاما وانتقلت لتنقل خبراتها الى شباب المستقبل من خلال مادة التربية على الحياة في ثانوية راهبات القلبين الأقدسين بيبلوس – جبيل

‎ولم يكن الإيمان لديها شعارًا يُرفع، بل تجربة تُعاش.

‎ولعل ذلك ما مكّنها من مواجهة تجارب الحياة القاسية، وتجاوز محطات لم تكن سهلة، ومواصلة الطريق في أوقات كان يمكن للإنسان فيها أن يتعب أو يستسلم.

‎هناك نساء تصوغهن الحياة في ظروف الرفاه، وأخريات تصوغهن التجارب.

‎وليلى تنتمي إلى الفئة الثانية.

‎فقد عرفت الألم، واختبرت الوحدة في بعض مراحل الطريق، وتحملت مسؤولية الأمومة وأدت دورها مهما كانت الظروف.

‎أمّ حوّلت دموعها إلى قوة

‎ولعل أجمل ما يمكن أن يُقال عن ليلى الداهوك لا يرد في سيرتها الإعلامية فحسب، بل في سيرتها كأم.

‎فهي أم حملت مسؤوليتها بمحبة وإيمان، وربّت أبناءها في ظروف لم تكن دائمًا يسيرة، وبذلت من قلبها ودموعها الكثير حتى تراهم يكبرون ويشقون طريقهم.

‎لم تكن الأمومة بالنسبة إليها صورة مثالية تُلتقط، بل كانت تعبًا وسهرًا وخوفًا وصبرًا وصلاة.

‎وفي حياة كل أم حقيقية حكاية لا يعرفها الناس.

‎كم من ليلة نامت فيها الأم وهي تخفي دمعتها؟

‎وكم مرة ابتسمت كي لا يشعر أبناؤها بخوفها؟

‎وكم مرة اضطرت إلى أن تكون قوية لأنها لم تكن تملك رفاهية الضعف؟

‎ليلى واحدة من تلك الأمهات اللواتي حوّلن مسؤولياتهن إلى مدرسة للحياة.

‎لذلك لم يكن إيمانها منفصلًا عن أمومتها، بل كان، وفق ما تعكسه تجربتها، أحد مصادر القوة التي أعانتها على الاستمرار.

‎الصديقة الوفية… الإنسانة قبل الإعلامية

‎ومن يعرف ليلى عن قرب يدرك أن الإعلام ليس سوى جزء من الحكاية.

‎فهي إنسانة محبة، وفية، مخلصة لصداقاتها، وحاضرة إلى جانب من تحبهم.

‎وهذه صفات لا تُدرج عادة في السيرة المهنية، ولا تظهر على الشاشات.

‎فالإنسان الحقيقي يتجلى في الصداقة؛ يظهر عندما يحتاج إليه صديقه، وعندما يمرض أحد المقربين، وعندما يمر أحدهم بأزمة، وحين لا يكون هناك جمهور أو كاميرا أو تصفيق.

‎ومن هنا تنبع قيمة ليلى الإنسانية: فقد حافظت على الإنسانة في داخلها، ولم تسمح للمهنة بأن تطغى عليها.

‎من الإعلام إلى الأدب… ومن الصحافة إلى الشعر

‎ولأن الكلمة سكنت وجدانها منذ طفولتها، لم يكن غريبًا أن تمتد تجربتها إلى الشعر والأدب.

‎فبعد انقطاع دام نحو خمسة عشر عامًا بسبب انشغالها بالإعلام والحياة العامة، عادت إلى الشعر وأصدرت خمسة دواوين هي: «فراشة النور»، «محبرة النور»، «الكتابة على الموج»، «نوافذ الصمت» و«شهوة الريح»، وتتناول فيها موضوعات اجتماعية وإنسانية وعاطفية. كما شاركت في مئات الأمسيات الشعرية.

‎واللافت أن الشعر لديها لا ينفصل عن الصحافة.

‎فالصحافية تبحث عن الحقيقة،

‎والشاعرة تبحث عن المعنى،

‎والاثنتان تلتقيان عند الإنسان.

‎لذلك تبدو كتابتها امتدادًا طبيعيًا لشخصيتها: حساسة تجاه الألم، قريبة من الناس، ومنشغلة بالأسئلة التي تتجاوز الخبر إلى ما وراءه.

‎امرأة لا تزال في قلب الحركة الثقافية فقد

‎ شاركت في أعمال أدبية واجتماعية لافتة، من بينها رواية «وجع» التي أصدرتها بالاشتراك مع الروائي الدكتور محمد إقبال حرب، وتتناول قضية العنف ضد الطفل في معالجة جريئة لقضية اجتماعية حساسة. وقد أقيم حفل إطلاق الرواية برعاية وزارة الثقافة.

‎ليلى الداهوك… وجه من وجوه لبنان

‎في زمن أصبح فيه الإعلام سريعًا، والخبر عابرًا، والإنسان أحيانًا مجرد رقم في قصة إخبارية، تظل الحاجة قائمة إلى إعلاميين يتذكرون أن وراء كل قضية إنسانًا.

‎وليلى الداهوك واحدة من هؤلاء.

‎بدأت طفلة تحمل الميكروفون، ثم دخلت الصحافة من بوابة «الديار»، ودرست علم الاجتماع والتربية، وخاضت ميادين الإعلام المكتوب والمسموع والمرئي، وكتبت الشعر، وأسهمت في خدمة الثقافة، واهتمت بالقضايا الاجتماعية والإنسانية، وربطت مهنتها بإيمانها ونظرتها إلى الإنسان.

‎لكن الإنجاز الأهم قد لا يظهر في أي سيرة ذاتية.

‎إنه في الأبناء الذين ربّتهم، والصداقات التي حافظت عليها، والناس الذين وقفت إلى جانبهم، والقصص التي منحت المهمشين والمظلومين فرصة لإيصال أصواتهم.

‎لهذا نضع اليوم اسم ليلى الداهوك في سلسلة «وجوه نسائية رائدة».

‎ليس لأنها إعلامية فحسب،

‎ولا لأنها شاعرة فحسب،

‎ولا لأنها درست علم الاجتماع والتربية واللاهوت،

‎بل لأنها امرأة استطاعت، رغم ما حملته الحياة إليها من تجارب، أن تبقى مؤمنة، محبة، وفية، فاعلة، وقريبة من الإنسان.

‎وهذا هو النوع من النجاح الذي لا يُقاس بعدد سنوات العمل في الإعلام، بل بعدد القلوب التي نترك فيها أثرًا طيبًا.

 

‎ليلى الداهوك… امرأة حملت الميكروفون بيد، وحملت وجع الناس باليد الأخرى، ومضت.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى