
مرة جديدة، تعيد جريمة قتل وقعت في محيط مخيم صبرا وشاتيلا إلى الواجهة واقعاً أمنياً خطيراً، تحكمه فوضى السلاح وانتشار المخدرات وحركة المطلوبين، فيما يثير لجوء بعض مرتكبي الجرائم من خارج المخيم إلى داخله أسئلة جدية حول قدرة الأجهزة الأمنية على ملاحقتهم، ومنع تحوّل أي بقعة جغرافية إلى ملاذ يصعب الوصول إليه.
وفي واحدة من القضايا التي تكشف خطورة هذا الواقع، ادعى النائب العام الاستئنافي في جبل لبنان القاضي سامي صادر في ملف مقتل الشاب محمد خضر الأسمر، بمواد جرمية تصل عقوبتها إلى السجن مدى الحياة، بعد انتهاء مرحلة أساسية من التحقيقات التي بدأت لدى فصيلة بئر حسن، قبل أن تتوسع أمام مفرزة الضاحية القضائية.
وقعت الجريمة مساء 7 آب 2026 في حي صبرا القديم، عندما نشب خلاف بين محمد خضر الأسمر، مواليد 2003، وإبراهيم محمود زهوي، مواليد 2002، قبل أن يتطور سريعاً إلى إطلاق نار. وأصيب الأسمر بطلق ناري في بطنه، ونُقل إلى مستشفى رفيق الحريري الحكومي، حيث فارق الحياة متأثراً بإصابته.
وبحسب إفادة الشاهد علي أيمن جيبي، كان عدد من الشبان موجودين في المكان عندما حضر زهوي، ثم وصل الأسمر. ونادى زهوي الضحية طالباً منه الاقتراب، إلا أن الأخير رفض، فقال له، وفق إفادة الشاهد: “عليك الأمان”.
لكن الأمان لم يدم سوى لحظات. فما إن استدار محمد نحوه حتى أشهر زهوي مسدسه وأطلق النار باتجاهه، فسقط أرضاً، قبل أن يفر مطلق النار من المكان.
وأكد جيبي أنه اقترب مع الشبان من المصاب بقصد إسعافه، قبل أن يحضر والده وينقله إلى المستشفى. إلا أن مطلق النار عاد لاحقاً إلى مكان قريب محاولاً استعادة دراجته النارية، وعندما طُلب منه تركها، شهر المسدس في وجه جيبي وأجبره، تحت تهديد السلاح، على نقله إلى قرب منزله.
لكن والد الضحية قدّم رواية مختلفة، واتهم جيبي بمساعدة زهوي على الفرار، كما وسّع دائرة ادعائه لتشمل والد مطلق النار محمود زهوي وشقيقه حسين. واتهم الوالد الأخير بإطلاق النار في الهواء لتأمين فرار شقيقه، فيما اتهم الأب بالتحريض على قتل ابنه.
ونفى جيبي هذه الاتهامات، مؤكداً أنه نقل زهوي تحت تهديد السلاح، وأنه لم يكن شريكاً في الجريمة أو في خطة فرار متفق عليها. كما نفى أن يكون حسين زهوي قد أطلق النار في الهواء، أو أن يكون محمود زهوي قد حرّض ابنه على القتل.
وبقي مطلق النار متوارياً عن الأنظار حتى 17 آب 2026، حين حضر من تلقاء نفسه إلى فصيلة بئر حسن وسلّم نفسه، إضافة إلى مسدس بلون صحراوي قال إنه السلاح الذي استخدمه في الجريمة.
وخلال استجوابه أمام مفرزة الضاحية القضائية، أقر إبراهيم زهوي صراحة بإطلاق النار على محمد الأسمر، وقال إن خلافاً كان قائماً بينهما بسبب مبلغ 100 دولار زعم أنه ثمن مادة الكوكايين. كما اعترف بتعاطي الحشيشة والكوكايين، مؤكداً أنه أطلق رصاصتين باتجاه الضحية قبل أن يغادر المكان.
في المقابل، نفى والد الضحية بصورة قاطعة رواية المخدرات، مؤكداً أن ابنه لا علاقة له بها، ومتمسكاً بادعائه على زهوي بقتل محمد عمداً، وعلى الأشخاص الآخرين بجرائم التحريض والمشاركة والمساعدة على الفرار.
أما مطلق النار، فحصر المسؤولية بنفسه، نافياً أي دور لوالده أو شقيقه. كما أكد أن جيبي لم يساعده بإرادته، بل أُجبر على نقله تحت تهديد المسدس، لتتقاطع إفادته في هذه النقطة مع رواية جيبي.
وبعد عرض نتائج التحقيقات على المحامي العام الاستئنافي في جبل لبنان القاضي نديم زوين، تقرر اعتبار إبراهيم زهوي موقوفاً بموجب المحضر وضبط المسدس، فيما تُرك علي جيبي بسند إقامة في ملف الجريمة، مع اتخاذ إجراء منفصل بحقه لمصلحة الأمن العام. أما محمود وحسين زهوي، فلم يمثلا أمام المحققين خلال المرحلة الأولى، رغم محاولات التواصل معهما.
وبانتقال الملف إلى المرحلة القضائية، باتت مسؤولية كل من ورد اسمه في التحقيق من اختصاص القضاء، الذي سيحسم، في ضوء الأدلة والإفادات والمضبوطات، ما إذا كانت الجريمة محصورة بمطلق النار، أم أن التحقيق سيكشف أدواراً أخرى في التحريض أو المشاركة أو المساعدة على الفرار.
وبين عبارة “عليك الأمان” التي سبقت الرصاص، ورواية الـ100 دولار ثمن الكوكايين التي قدمها مطلق النار ونفاها والد الضحية، تبقى الحقيقة الكاملة أمام القضاء. لكن المؤكد أن شاباً قُتل برصاصتين، وأن جريمة جديدة أعادت فتح ملف السلاح والمخدرات والمطلوبين في صبرا ومحيط مخيم شاتيلا، ووضعت فاعلية الخطة الأمنية في بيروت أمام اختبار جديد.



