
بدعوة من رئيس أساقفة بيروت للموارنة المطران بولس عبد الساتر، احتفل صاحب الغبطة والنيافة البطريرك الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي بالقداس الإلهي في كاتدرائية مار جرجس المارونية في وسط بيروت، لمناسبة تبريك مذبح الطوباويَّين البطريرك إسطفان الدويهي والبطريرك إلياس الحويّك، من صنع الرسام حبيب خوري وتقدمة السيد حبيب بطرس حرب، في حضور رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون ، وحشد من الشخصيات الرسمية والسياسية والعسكرية والأمنية والقضائية والروحية والاجتماعية والمؤمنين.
وكان الموكب البطريركي قد انطلق من الصرح البطريركي في بكركي عند الساعة العاشرة والربع صباحًا، ورافق البطريرك الراعي النائب البطريركي العام المطران حنا علوان، وأمين السر العام للبطريركية المارونية الأب فادي تابت، وأمين السر الخاص الخوري كاميليو مخايل. وعند وصوله إلى الكاتدرائية، كان في استقباله رئيس أساقفة بيروت للموارنة المطران بولس عبد الساتر، وراعي أبرشية البترون المارونية المطران منير خيرالله، والنائب البطريركي على الجبّة وزغرتا المطران جوزيف نفاع، إلى جانب لفيف من الكهنة.
عبد الساتر: رئيسٌ للبنان الواحد ولكل اللبنانيين
وفي بداية القداس، ألقى المطران بولس عبد الساتر كلمة ترحيبية، رحّب فيها بالبطريرك الراعي، «خلف البطريركين الطوباويين إسطفان الدويهي وإلياس الحويّك»، وبرئيس الجمهورية واللبنانية الأولى والمطارنة والآباء والرهبان والراهبات والحاضرين، مؤكدًا أن هذا المكان المقدس في قلب العاصمة بيروت كان وسيبقى علامة على محبة الله للإنسان، والعيش المشترك بكرامة، والانفتاح والمساواة.
وتوجّه عبد الساتر إلى البطريرك الراعي، مؤكدًا أن أبناء الأبرشية يرفعون الصلاة من أجله إلى الرب يسوع لكي يمنحه «القوة في مواجهة الصعوبات والنعمة في خدمته وفي رعايته».
كما شكر رئيس الجمهورية واللبنانية الأولى على تلبية الدعوة والمشاركة في القداس والاحتفال الروحي، مؤكدًا أن وجودهما بين الحاضرين «سبب فرح عظيم».
وخصّ الرئيس عون بكلمة لافتة، فقال: «نصلّي ليحفظكم الرب لنا وليمنحكم الحكمة لتصلوا بالبلاد إلى برّ الأمان وإلى السلام»، مشيرًا إلى صعوبة المهمة وحجم التحديات، ومشيدًا بخياره أن يكون «رئيسًا للبنان الواحد ولكل اللبنانيين».
وأكد عبد الساتر أن رئيس الجمهورية يعمل «من دون راحة من أجل سيادة الدولة على كل الأرض، ومن أجل كرامة الإنسان، ومن أجل سلام عادل ودائم»، وختم متوجهًا إليه: «إنكم تتحملون بصبر وتسيرون بجرأة، حماكم الله ووفقكم لما فيه خير الجميع».
الراعي: «مَنْ يَصْبِرْ إِلَى الْمُنْتَهَى يَخْلُصْ»
وبعد الإنجيل المقدس، ألقى البطريرك الراعي عظته، متخذًا من قول الرب يسوع: «مَنْ يَصْبِرْ إِلَى الْمُنْتَهَى يَخْلُصْ» (متّى 24: 13) محورًا روحيًا وإنجيليًا للعظة، قبل أن ينتقل منه إلى قراءة في مسيرة الطوباويَّين الدويهي والحويّك وفي واقع لبنان وتحدياته الراهنة.
وأوضح الراعي أن الصبر في المفهوم الإنجيلي ليس استسلامًا ولا انتظارًا سلبيًا أمام المحنة، بل ثبات في الإيمان، وأمانة للرسالة، وقدرة على الاستمرار في العمل عندما يطول الطريق وتشتد الصعوبات. فالمسيحي لا يُعفى من المحنة، لكنه مدعو إلى ألّا يسمح للمحنة بأن تنتزع منه الرجاء أو تغيّر وجهة رسالته.
ورأى أن كلمة المسيح «إلى المنتهى» تعطي الصبر معناه الكامل: فالخلاص مرتبط بأمانة لا تتوقف عند بداية الطريق، بل تستمر حتى النهاية. ومن هنا يصبح الصبر قوة روحية تحوّل المحنة إلى خبرة، والإيمان إلى ثبات، والرجاء إلى عمل.
الدويهي والحويّك… صبر تحوّل إلى رسالة
ومن هذا المنطلق، توقف البطريرك الراعي عند الطوباويَّين إسطفان الدويهي وإلياس الحويّك بوصفهما شاهدين على هذا الصبر الإنجيلي.
فالدويهي عاش الاضطهاد والمضايقات وعدم الاستقرار، لكنه لم يسمح للظروف بأن توقف رسالته، بل كتب وجمع ووثّق وحفظ تاريخ الكنيسة المارونية وليتورجيتها وتراثها.
أما الحويّك، فحمل قضية لبنان إلى مؤتمر الصلح في باريس، مطالبًا باستقلاله واستعادة حدوده، وتحمل مشقات السفر والمفاوضات من أجل وطن لا من أجل مصلحة شخصية، ثم عمل في الداخل على ترسيخ الوحدة والعيش المشترك، لأن الحدود يمكن أن تُرسم بقرار، أما الوطن فيحتاج إلى أن يُبنى في القلوب.
الراعي: الدولة الواحدة هي صاحبة المرجعية في السلاح والقرار الأمني
ومن الصبر الإنجيلي انتقل الراعي إلى الواقع الوطني، مؤكدًا أن الصبر المطلوب من اللبنانيين اليوم ليس صبر الانتظار أو التعايش مع الأزمات، بل صبر القرار والعمل والمثابرة حتى بلوغ الهدف.
وشدد على أهمية دعم الجيش اللبناني وتسليحه وتجهيزه وتمكين مؤسسات الدولة، مؤكدًا ضرورة الانتقال من المواقف إلى الخطوات العملية وترسيخ مبدأ الدولة الواحدة القادرة، صاحبة المرجعية في السلاح والقرار الأمني.
ورأى أن قيام الدولة يقتضي أن تتحمل كامل مسؤولياتها، وأن تبسط سلطتها بواسطة مؤسساتها الشرعية، وأن يكون الجيش والقوى الأمنية المرجعية في حماية البلاد وأمنها واستقرارها.
الوحدة الداخلية لا تُبنى في جلسة واحدة
وأكد الراعي أن استعادة الدولة تحتاج أيضًا إلى بناء الوحدة الداخلية واستعادة ثقة اللبنانيين بمؤسساتهم، مشددًا على أن الوحدة لا تُفرض بقرار ولا تُبنى في جلسة واحدة، بل تحتاج إلى حوار وإرادة مشتركة ووضع المصلحة الوطنية فوق الحسابات الخاصة.
كما توقف عند دور الدبلوماسية اللبنانية، داعيًا إلى تحويل التحركات والاتصالات الخارجية إلى نتائج ملموسة في دعم الدولة، ومعالجة مستقبل الجنوب وما بعد «اليونيفيل»، وحصر السلاح، ودفع المسارات التفاوضية إلى الأمام، واستعادة الدعم السياسي والاقتصادي للبنان.
حقوق المودعين جزء من استعادة الثقة بالدولة
وفي الملف المالي والاقتصادي، شدد البطريرك الراعي على أن الإصلاح المصرفي واستعادة حقوق المودعين لا يجوز أن يبقيا مؤجلين، لافتًا إلى أن اللبنانيين انتظروا طويلًا، ومن حقهم أن يروا إصلاحًا يعيد الثقة ويحفظ الحقوق.
وأكد أن استعادة الدولة لا تتوقف عند السيادة والأمن، بل تشمل أيضًا إعادة بناء الثقة بين المواطن ومؤسسات بلاده، وحماية حقوق اللبنانيين الذين دفعوا ثمن الانهيار المالي والاقتصادي.
«الصبر لا يعني تأجيل الحلول ولا إدارة الأزمة إلى ما لا نهاية»
وختم الراعي بالتأكيد أن الصبر لا يعني تأجيل الحلول، ولا التعايش مع الخطأ، ولا إدارة الأزمة إلى ما لا نهاية، بل معرفة الهدف، والبدء بالعمل من أجله، والثبات حتى بلوغ النتيجة.
ورأى أن لبنان يستطيع بهذه الروحية أن ينتقل من إدارة الأزمات إلى تثبيت الاستقرار وصناعة المستقبل، لأن الأوطان لا تُبنى في يوم واحد، لكنها تُبنى حين لا يتعب أبناؤها من العمل من أجلها.
وفي مناسبة تبريك مذبح الطوباويَّين الدويهي والحويّك، سأل البطريرك الراعي الله، بشفاعتهما، أن يحفظ لبنان وشعبه، وأن يمنح اللبنانيين من إيمانهما وصبرهما وثباتهما وأمانتهما، وأن يجعل الرجاء أقوى من كل محنة.



