دارين أبو ضرغم :لبنان بين الصبر والانفجار الاجتماعي… هل نحن شعب صابر أم شعب استسلم؟

 

هناك أسئلة نخاف أحيانًا من طرحها، ليس لأنها بلا إجابة، بل لأن الإجابة قد تكون أكثر إيلامًا من السؤال نفسه. واليوم، ربما حان الوقت لنسأل بصراحة: إلى متى يستطيع اللبناني أن يتحمّل؟ وإلى أي حد يمكن لشعب أن يعيش تحت ضغط اقتصادي ومعيشي متواصل، ثم يستمر في التصرف وكأن الأمور طبيعية؟

لبنان اليوم ليس مجرد بلد يعاني من أزمة اقتصادية عابرة. المواطن يعيش تفاصيل الأزمة في كل لحظة؛ في فاتورة الكهرباء، وغلاء الدواء، وأقساط المدارس والجامعات، وارتفاع أسعار المواد الأساسية، وتراجع القدرة الشرائية، والهجرة التي أصبحت بالنسبة إلى كثير من الشباب مشروع حياة لا خيارًا مؤقتًا. وفي الوقت نفسه، قد تظهر بعض المؤشرات الاقتصادية الإيجابية من فترة إلى أخرى، لكن التعافي يبقى هشًا، فيما لا تزال الإصلاحات المالية والمصرفية والاجتماعية تشكل تحديًا أساسيًا أمام البلد.

وهنا يظهر السؤال الأصعب: هل اللبناني ما زال صابرًا لأنه يؤمن بأن الأزمة ستنتهي، أم أنه أصبح يتعايش معها لأنه فقد القدرة على مواجهتها؟

في عام 2019، خرج اللبنانيون إلى الشوارع في واحدة من أكبر موجات الاحتجاج الشعبي في تاريخ لبنان الحديث. يومها لم يكن المشهد مجرد اعتراض على ضريبة أو قرار اقتصادي، بل كان تعبيرًا عن تراكم طويل من الغضب تجاه الفساد، وتراجع الخدمات، والأزمة الاقتصادية، وانعدام الثقة بالدولة. شعر كثيرون في ذلك الوقت أن شيئًا كبيرًا يمكن أن يتغير.

لكن السنوات التي تلت كانت أقسى. انهارت العملة، تراجعت القدرة الشرائية، تعطلت الحياة المصرفية، وازدادت صعوبة تأمين أبسط مقومات الحياة. ثم جاءت أزمات أمنية وحروب متتالية لتزيد الضغط على مجتمع كان أصلًا منهكًا.

وبدل أن يبقى السؤال: «كيف نغيّر؟»، أصبح السؤال عند كثير من الناس: «كيف نعيش؟».

وهنا تكمن المشكلة الحقيقية.

فالمواطن الذي يقضي يومه في البحث عن راتب إضافي، أو عمل إضافي، أو طريقة لتأمين دواء، أو مدرسة، أو إيجار، قد لا يبقى لديه الوقت والطاقة للتفكير في التغيير السياسي والاجتماعي. يتحول من مواطن يطالب بحقه إلى إنسان يحاول فقط إنقاذ عائلته.

هل هذا يعني أننا شعب مخدّر؟

ربما التعبير قاسٍ. فاللبناني ليس بالضرورة مخدّرًا، بل ربما أصبح شعبًا منهكًا. وهناك فرق كبير بين الاثنين. الإنسان المخدّر لا يشعر، أما الإنسان المنهك فيشعر بكل شيء، لكنه لا يعرف من أين يبدأ.

وإذا عدنا إلى التاريخ، نجد أن كثيرًا من انتفاضات الفلاحين في أوروبا ومناطق أخرى لم تبدأ دائمًا بشعارات سياسية كبرى. كانت بداياتها مرتبطة بأمور بسيطة ومباشرة: الأرض، الضرائب، الديون، الجوع، والاستغلال. ومع تراكم هذه الضغوط، تحول الألم الفردي في بعض المجتمعات إلى غضب جماعي، عندما شعر الناس أن المشكلة لم تعد مشكلة كل فرد بمفرده، بل مشكلة نظام كامل يحتاج إلى تغيير.

لكن التاريخ لا يعطينا وصفة جاهزة للبنان، ولا يعني أن كل أزمة اقتصادية ستؤدي حتمًا إلى ثورة. فالفقر وحده لا يصنع ثورة، والغضب وحده لا يصنع تغييرًا. هناك عوامل كثيرة تدخل في صناعة التحولات الاجتماعية، من التنظيم والوعي والثقة بالمؤسسات إلى قدرة المجتمع على تحويل المطالب إلى عمل مدني وسياسي منظم.

لذلك، السؤال ليس فقط: «هل ستأتي ثورة جديدة إلى لبنان؟» بل ربما السؤال الأهم: «هل لا يزال اللبناني يؤمن بأن بإمكانه تغيير واقعه؟».

لأن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي مجتمع ليس أن يغضب، بل أن يستسلم. أن تصبح الأزمة أمرًا طبيعيًا، وأن يصبح انقطاع الخدمات أمرًا عاديًا، وأن تصبح الهجرة قدرًا، وأن يصبح الفقر جزءًا من الحياة اليومية، وأن يردد المواطن في النهاية: «شو بدنا نعمل؟ هيك لبنان».

هذه الجملة أخطر من الغضب نفسه.

لأن الغاضب لا يزال يريد التغيير، أما المستسلم فقد توقف عن انتظار شيء.

ومع ذلك، لبنان لا يحتاج إلى فوضى جديدة ولا إلى عنف أو تكسير أو صراع بين اللبنانيين. إذا كان هناك تغيير مطلوب، فالأهم أن يكون قائمًا على وعي المواطنين وحقوقهم، وعلى مؤسسات تعمل، ومحاسبة، وإصلاحات حقيقية، ومشاركة مدنية وسياسية مسؤولة.

الثورة، إذا أردنا استخدام هذه الكلمة، ليست بالضرورة أن تحترق الشوارع. قد تكون الثورة الحقيقية في طريقة تفكير المواطن، عندما يتوقف عن قبول الخطأ لأنه صادر عن جماعته، وعندما يعرف أن صوته مسؤولية، وأن الدولة ليست ملكًا لزعيم أو حزب أو طائفة، وأن كرامته وحقوقه ليست منّة من أحد.

لا أحد يستطيع أن يتنبأ إن كانت انتفاضة شعبية جديدة ستحدث في لبنان، ولا متى يمكن أن تحدث. لكن المؤكد أن الأزمات المتراكمة تطرح أسئلة لا يمكن تجاهلها إلى الأبد.

فإلى أي حد يستطيع الإنسان أن يتحمّل قبل أن يتحول الصبر إلى غضب؟

وإلى أي حد يستطيع المجتمع أن يتعايش مع الأزمة قبل أن تصبح الأزمة نفسها جزءًا من هويته؟

وربما السؤال الأكثر قسوة هو: هل نحن فعلًا شعب صابر، أم أننا أصبحنا بارعين فقط في التعايش مع الوجع؟

لبنان لا يحتاج إلى شعب غاضب فقط… بل إلى شعب واعٍ يعرف ماذا يريد، وكيف يطالب بحقه، وكيف يحوّل غضبه إلى تغيير حقيقي وسلمي.

لو قرر اللبنانيون اليوم النزول إلى الشارع، ما هو أول مطلب يجب أن يرفعوه؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى