
سمير سكاف – كاتب وخبير في الشؤون الدولية
في ظل حادثة أمنية فردية أدت الى سقوط امرأة و4 جرحى في مدينة تراب قرب باريس بعد إطلاق أحد الأشخاص النار بالكلاشينكوف عشوائياً، تستعد فرنسا، وسط أجواء من التوتر الشديد والقلق الأمني “المعتاد” لمواجهة “سبت أسود” جديد!
سبت أسود يتقاطع فيه الاحتقان الاجتماعي والسياسي والأمني مع صراع حزبي محتدم على السلطة وعلى رئاسة الجمهورية.
وتأتي هذه التطورات على وقع صدمة الأحداث العنيفة التي شهدتها البلاد في 17 أكتوبر الجاري، والتي خلفت مئات الجرحى من الشرطة، وخسائر مادية وموجة نهب واسعة طالت 3.000 متجر، وحرق 650 سيارة. خسائر مالية تخطت المليار يورو!
وهو ما دفع السلطات والمجتمع المدني والقطاع التجاري إلى رفع حالة الجاهزية القصوى إلى مستويات تقترب من الإجراءات ” الحربية”!
*طوفان بشري تحت الغطاء النقابي في تظاهرات الغد!*
على صعيد العاصمة باريس وعموم المدن الفرنسية، تتوقع وزارة الداخلية نزول نحو 500.000 متظاهر إلى الشوارع تحت راية النقابات العمالية والاحتجاجات المعيشية، من بينهم نحو 100.000 متظاهر في باريس وحدها. بأرقام مشابهة ل17 أكتوبر.
وعلى الرغم من محاولات التأطير النقابي، تتخوف الأجهزة الأمنية من “تموه” عناصر تخريبية ومجموعات خارجة عن القانون داخل التظاهرات لاستغلالها في أعمال نهب وتخريب مشابهة لما حدث في “17 أكتوبر الأسود”!
وهو ما دفع رئيس الحكومة سيباستيان لوكورنو ووزير الداخلية لوران نونيز للتعهد بانتشار أمني “كثيف للغاية ومتحرك” يفوق إجراءات الأسبوع الماضي بنحو 20%.
*متاجر “تتحصن” استعداداً للأسوأ مع اقتصاد الأبواب الحديدية!*
في الشارع التجاري، تبدو الصورة أقرب إلى المدن الاستراتيجية المحاصرة؛
فقد عمدت آلاف المتاجر والشركات في باريس والمدن الكبرى إلى تحصينات “عسكرية” بالخشب والصفائح الحديدية السميكة على واجهات زجاجية كاملة لمنع تكرار عمليات اقتحامها وسرقتها!
ولم تكتفِ المتاجر بذلك، بل استعان أصحابها بحشود من شركات الأمن الخاصة، بعضها بأسلحة مرخصة وتجهيزات دفاعية، لتأمين الأمن الذاتي لمحالهم في ظل حالة انعدام الثقة بالقدرة الكلية للدولة على حماية الممتلكات الخاصة!
بينما فضّل أصحاب مئات المتاجر الأخرى إبقاء أبوابها مغلقة كلياً طوال يوم غد السبت.
*شلل تام في الحياة العامة والفعاليات الرياضية والدينية*
ضرب الشلل قطاعات واسعة من الحياة العامة والأنشطة اليومية في فرنسا؛
حيث تم تأجيل مباريات الدوري الفرنسي لكرة القدم لفرق عريقة مثل تولوز، بوردو، ومونبلييه.
ولم تبقَ سوى 3 مباريات فقط ضمن جدول المباريات في موعدها المحدد تفادياً لانهيار المنظومة الأمنية.
كما امتدت الإلغاءات والتأجيلات لتشمل فعاليات دينية بارزة، مثل المسيرة الدينية في مدينة لورد الشهيرة.
*معركة مؤتمر أورليان وحملة لوبن الرئاسية*
في الوقت ذاته، تتجه الأنظار غداً نحو مدينة أورليان، التي تحولت إلى نقطة ساخنة لاستضافتها المؤتمر الوطني لحزب “التجمع الوطني” في أقصى اليمين، حيث تطلق زعيمته مارين لوبن، المتصدرة لاستطلاعات الرأي للانتخابات الرئاسية المقررة بعد ستة أشهر، حملتها الرسمية بحضور نحو 25.000 محازب.
في المقابل، دعت قوى اليسار إلى تظاهرات مضادة في ذات المدينة للتنديد بما وصفوه بـ”تطبيع اليمين المتطرف”!
ومن المتوقع أن يصل عديد المحتجين اليساريين إلى نحو 3.000 متظاهر بينهم كوادر من حزب فرنسا الأبية من أقصى اليسار، وسط حشد أمني مكثف يضم 15 وحدة متجولة من الشرطة، يقدر عديدها بثلاثة آلاف عنصر أمني، لمنع احتكاك الطرفين.
*فشل مشاورات الحكومة وانقسام حاد!*
عشية التظاهرات المرتقبة، انعكست حالة التصدع السياسي بوضوح على اجتماعات الأزمة؛
فقد وُصف الاجتماع الذي جمع زعماء الأحزاب برئيس الحكومة الفرنسية سيباستيان لوكورنو بالأمس بأنه كان “فاشلاً ومقلقاً” بحسب المشاركين، في ظل اتهامات حكومية صريحة لجماعات “اليسار المتطرف” بوضع “مخطط للتمرد” وزعزعة الاستقرار!
وذلك، بالتوازي مع مساعٍ تشريعية متسارعة أثارت الجدل، أبرزها مشروع قانون “المخربون يدفعون الثمن” الذي يناقشه البرلمان لإقرار المسؤولية المدنية الجماعية عن أعمال التخريب.
*ماذا سيحصل غداً؟*
من المتوقع أن تشهد التظاهرات ميدانياً مواجهات كر وفر في عدة مدن، وخاصة باريس وأورليان، وسط رقابة صارمة من طائرات المسيرات وتعزيزات مكافحة الشغب.
هذا في حين تترقب الأسواق المالية والدوائر السياسية تداعيات هذه الاحتجاجات على الاستقرار المالي والنقدي بعد تجاوز فوائد السندات مستويات حرجة!
الأزمة مفتوحة. وكل الاحتجاجات هي تجسيد للوضع المالي الكارثي التي تمر به فرنسا، مع عدوى التظاهرات التي تخطت الحدود الفرنسية الى ايطاليا والبرتغال واليونان… و”الحبل عالجرار”!



