
سجّلت الانتخابات الإسرائيلية للكنيست الـ26 تحوّلاً لافتاً في حجم المشاركة العربية، بعدما أظهرت استطلاعات الخروج من مراكز الاقتراع ارتفاعاً كبيراً في التمثيل المتوقع للأحزاب العربية، من 10 مقاعد في الكنيست السابق إلى ما بين 16 و18 مقعداً، وسط نسب اقتراع استثنائية في عدد من المدن والبلدات العربية، ما قد يمنح هذه الأحزاب دوراً حاسماً في تحديد مستقبل السلطة في إسرائيل.
وبحسب تقرير أعدّه الصحافيان يارون دروكمان وعيناف حلبي في موقع “يديعوت أحرونوت – Ynet”، فإن الإقبال العربي على صناديق الاقتراع شكّل أحد أبرز مفاجآت الانتخابات، خصوصاً أن بعض البلدات سجّلت نسب مشاركة قاربت ضعف ما كانت عليه في انتخابات عام 2022.
وأظهرت استطلاعات القنوات التلفزيونية الإسرائيلية أن القائمة المشتركة والقائمة العربية الموحدة “راعم” قد تحصلان معاً على ما بين 16 و18 مقعداً، مقارنة بـ10 مقاعد فقط في الكنيست الـ25، في قفزة يمكن أن تعيد رسم التوازنات البرلمانية.
وحتى الساعة 20:00 من يوم الاقتراع، بلغت نسبة المشاركة العامة في إسرائيل 74.3%، بينما تجاوزت هذه النسبة في عدد كبير من البلدات العربية، ولا سيما في التجمعات البدوية.
وسجّلت قرية العريان في منطقة وادي عارة مشاركة بلغت 90.7%، وهي من أعلى النسب الواردة في التقرير، فيما بلغت المشاركة في سخنين 83.5%، وكفر قاسم 81.3%، ورهط 79.8%، وكسيفة 78.6%، وبئر المكسور 77.6%، والطيرة 77.5%، وحورة 76.3%.
أما في البلدات العربية الأخرى، فبلغت النسبة في شفاعمرو 72.5%، وأم الفحم 70.1%، والناصرة 70%، وتل السبع 73%، والطيبة 74.3%، وهي نسبة مساوية للمعدل العام المسجّل حتى تلك الساعة.
وفي التجمعات البدوية، وصلت المشاركة إلى 87.3% في بئر هداج، و85.2% لدى عشيرة أبو قرينات، و84.2% في الكعبية، و71.3% في عرعرة النقب. كما بلغت 87.9% في قرية ضميدة البدوية في الجليل، و74.3% في الشبلي – أم الغنم عند سفح جبل الطور.
وتكشف المقارنة مع انتخابات عام 2022 حجم التحول الذي شهدته المشاركة العربية. ففي سخنين، ارتفعت النسبة من 68.4% إلى 83.5%، وفي كفر قاسم من 66.88% إلى 81.3%، وفي رهط من 60.6% إلى 79.8%.
أما في الطيبة، فقفزت المشاركة من 57.7% إلى 74.3%، وفي شفاعمرو من 51.5% إلى 72.5%، وفي حورة من 49% إلى 76.3%، وفي الناصرة من 48.3% إلى 70%.
لكن المفاجأة الأكبر جاءت من أم الفحم، حيث ارتفعت نسبة التصويت من 38.3% في انتخابات 2022 إلى 70.1% حتى الساعة 20:00، أي ما يقارب ضعف النسبة السابقة.
وأشار التقرير إلى أن أحد العوامل المحتملة وراء هذا الارتفاع في أم الفحم هو أن رئيس القائمة المشتركة، البروفيسور يوسف جبارين، ينحدر من المدينة.
وفي مقر القائمة المشتركة، سادت أجواء احتفالية فور إعلان نتائج استطلاعات الخروج، إذ اعتبر مسؤولوها أن النتائج الأولية تؤكد نجاح الحملة الانتخابية في تعبئة الناخبين العرب.
وقال جبارين: “لقد شعرنا بذلك على الأرض، وقلنا إن القائمة المشتركة قادرة على الوصول إلى 10 مقاعد وربما أكثر. وأنا أيضاً تحدثت عن ذلك. واليوم نقول إن النتائج تبشّر بأننا نجحنا في تحقيق الهدف: قائمة مشتركة قوية، تملك القدرة على التغيير، لا على الهدم”.
ولا تقتصر أهمية هذه النتائج على ارتفاع عدد النواب العرب، بل تمتد إلى احتمال تحوّلهم إلى قوة مؤثرة في تحديد هوية الحكومة المقبلة.
فبحسب استطلاعات الخروج، قد يحتاج معسكر المعارضة الإسرائيلي إلى أصوات الأحزاب العربية لتمرير خطوات سياسية وتشريعية ضد معسكر نتنياهو، وفي مقدمها إقرار ما يعرف بـ”قانون المتهم”، وإقالة رئيس الكنيست أمير أوحانا، وربما حتى تشكيل حكومة تعتمد على دعم النواب العرب.
ويشكّل هذا الاحتمال معضلة سياسية أمام رئيس حزب “يشار”، غادي آيزنكوت، الذي تشير التقديرات الواردة في التقرير إلى أنه قد يكون أول من يحصل على تكليف تشكيل الحكومة المقبلة، بعدما أعلن أنه لن يشكّل حكومة إلا بالاستناد إلى أغلبية صهيونية.
وبذلك، فإن ارتفاع التمثيل العربي قد يمنح معسكر المعارضة قدرة أكبر على مواجهة نتنياهو داخل الكنيست، من دون أن يعني بالضرورة سهولة ترجمة هذه القوة إلى ائتلاف حكومي.
وتتألف القائمة المشتركة حالياً من 3 أحزاب عربية، هي الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة “حداش”، والحركة العربية للتغيير “تعال”، والتجمع الوطني الديمقراطي “بلد”.
ويتولى يوسف جبارين رئاسة الجبهة خلفاً لأيمن عودة، فيما يترأس أحمد الطيبي الحركة العربية للتغيير منذ عام 1995، وهو نائب في الكنيست بصورة متواصلة منذ عام 1999.
أما التجمع الوطني الديمقراطي فيترأسه سامي أبو شحادة، الذي لن يكون عضواً في الكنيست المقبل، بعدما قررت لجنة الانتخابات استبعاده من الترشح.
وخلال نظر المحكمة العليا في الطعن المتعلق بترشحه، أوصت المحكمة أبو شحادة بالنظر في خيار الانسحاب بما يغني عن إصدار حكم قضائي، وهو ما فعله لاحقاً.
وكانت القائمة المشتركة قد حققت أكبر إنجاز انتخابي لها عام 2020، عندما حصلت على 15 مقعداً، لكن جميع الأحزاب العربية كانت حينها تخوض الانتخابات ضمن قائمة واحدة، بما فيها “راعم”.
وفي انتخابات عام 2021، عندما خاضت القائمة المشتركة الاستحقاق بتركيبة مماثلة لتركيبتها الحالية، تراجع تمثيلها إلى 6 مقاعد فقط.
أما حزب “راعم”، الذي يتزعمه منصور عباس منذ عام 2019، فيُعدّ الذراع السياسية للجناح الجنوبي للحركة الإسلامية.
وخاض الحزب الانتخابات السابقة بصورة مستقلة، فحصل على 4 مقاعد عام 2021، ثم 5 مقاعد عام 2022.
وبعد انتخابات الكنيست الـ24، أجرى عباس وحزبه مفاوضات مع حزب الليكود، قبل أن يقررا دعم حكومة التغيير، وهو ما أثار هجمات سياسية حادة من نتنياهو والليكود، استمرت حتى الحملة الانتخابية الحالية.
وكان شعار نتنياهو الانتخابي الأبرز هذه المرة “يمين أو فلسطين”، في محاولة لتأطير المعركة باعتبارها مواجهة بين معسكر اليمين وخصومه السياسيين.
وفي خطوة غير مسبوقة، ضمّ منصور عباس مرشحاً يهودياً إلى قائمة “راعم”، هو نائب وزير الأمن الداخلي السابق يوآف سيغالوفيتش، الذي شغل سابقاً رتبة لواء في الشرطة الإسرائيلية، ووُضع في المرتبة الثانية على اللائحة.
وتشير هذه المعطيات إلى أن الصوت العربي لم يعد مجرد عنصر هامشي في المنافسة الانتخابية الإسرائيلية، بل أصبح رقماً يصعب تجاوزه في الحسابات البرلمانية.
وإذا تأكدت نتائج استطلاعات الخروج، فإن الأحزاب العربية ستكون أمام واحدة من أكبر فرصها السياسية، بعدما نجحت في تحويل المشاركة الانتخابية المرتفعة إلى قوة تمثيلية قد تعقّد مسار نتنياهو، وتضع خصومه أمام خيار بالغ الحساسية: الاستفادة من أصوات النواب العرب لإحداث تغيير سياسي، أو التمسك بشرط تشكيل حكومة بأغلبية صهيونية، حتى لو أدى ذلك إلى تعقيد تشكيل الحكومة المقبلة.



