
لم تنتهِ الانتخابات الإسرائيلية بإعلان منتصر قادر على تشكيل الحكومة، بل فتحت الباب أمام صفقة سياسية غير متوقعة قد تُبقي بنيامين نتنياهو في رئاسة الوزراء سنتين إضافيتين، قبل انتقال السلطة إلى منافسه غادي آيزنكوت، في محاولة للخروج من مأزق الأكثرية البرلمانية ومنع العودة إلى انتخابات جديدة.
وبحسب ما تتداوله الأوساط السياسية الإسرائيلية، تبرز صيغة لحكومة وحدة وطنية تقوم على منح نتنياهو النصف الأول من الولاية الحكومية، مقابل تعهده بإنهاء مسيرته السياسية بعد سنتين، وإفساح المجال أمام آيزنكوت لتولي رئاسة الحكومة. كما تتضمن إحدى الصيغ المتداولة احتمال انتقال نتنياهو إلى رئاسة الدولة، وهو أمر يحتاج إلى ترتيبات سياسية ودستورية مستقلة، ولا يشكل جزءاً من اتفاق معلن.
وتأتي هذه الطروحات بعدما أظهرت نتائج الفرز التي نشرتها وسائل الإعلام الإسرائيلية حصول معسكر نتنياهو على 53 مقعداً، مقابل 48 لمعسكر آيزنكوت و19 للأحزاب العربية، ما يعني أن أياً من المعسكرين لا يمتلك وحده الأكثرية المطلوبة لتشكيل الحكومة، والبالغة 61 مقعداً.
وتشير صحيفة “إسرائيل هيوم” إلى أن نتنياهو يدخل أي مفاوضات محتملة من موقع تفاوضي مهم، باعتبار أن الليكود بقي الحزب الأكبر في الكنيست، فضلاً عن أن نتنياهو سيواصل تصريف الأعمال ما دامت حكومة جديدة لم تتشكل.
لكن الثمن السياسي لهذه الصفقة قد يكون مرتفعاً. فآيزنكوت، الذي خاض الانتخابات على أساس إحداث تغيير في الحكم، قد يشترط تشكيل لجنة تحقيق رسمية في إخفاقات السابع من تشرين الأول، وإقرار قانون جديد للتجنيد، واستبعاد الأحزاب الحريدية وإيتمار بن غفير من الائتلاف الحكومي.
وتبرز أيضاً مسألة العفو عن نتنياهو في إطار بعض السيناريوهات المطروحة، وهي قضية تفتح نقاشاً قانونياً وسياسياً إضافياً، خصوصاً أن إنهاء مسيرته السياسية أو انتقاله إلى منصب رئاسة الدولة لا يؤدي تلقائياً إلى إغلاق الملفات القضائية التي يواجهها.
وفي المقابل، يواجه آيزنكوت معضلة لا تقل تعقيداً، إذ إن قبوله ببقاء نتنياهو سنتين إضافيتين قد يثير اعتراضات داخل المعسكر الذي التف حوله بهدف تغيير القيادة الإسرائيلية.
ويزيد المشهد تعقيداً احتمال اعتماد آيزنكوت على أصوات الأحزاب العربية للحصول على التكليف بتشكيل الحكومة، في وقت يشن فيه الليكود حملة سياسية على خصومه بسبب استعدادهم للاستفادة من دعم النواب العرب.
أما البعد الإقليمي لهذه المفاوضات، فيبرز مع التقارير التي تتحدث عن رغبة أميركية في تجنب انتخابات إسرائيلية جديدة، وسط احتمالات تجدّد المواجهة العسكرية مع إيران. وهو ما يجعل مسألة الاستقرار الحكومي مرتبطة أيضاً بالقرارات الأمنية الكبرى المنتظرة في المنطقة.
وبالنسبة إلى لبنان، لا تبدو هوية الحكومة المقبلة مسألة إسرائيلية داخلية فقط، بل ترتبط بمستقبل العمليات العسكرية في الجنوب، والانسحاب الإسرائيلي، والترتيبات الأمنية على الحدود، وطريقة التعامل مع حزب الله.
لكن المفارقة أن الصفقة المطروحة قد تجمع شخصيتين تختلفان سياسياً حول إدارة الحكم، من دون أن يعني ذلك بالضرورة اختلافاً جذرياً في المقاربة الأمنية تجاه لبنان وإيران.
حتى الآن، لا يوجد اتفاق معلن بين نتنياهو وآيزنكوت، ولا تأكيد بأن أياً منهما وافق على صيغة التناوب. وما يُطرح لا يزال في إطار السيناريوهات والمداولات السياسية.
وهكذا، تطرح نتائج الانتخابات الإسرائيلية مفارقة لافتة: نتنياهو الذي عجز معسكره عن حسم الأكثرية قد يجد أمامه طريقاً للبقاء في السلطة، فيما قد يواجه آيزنكوت خياراً بين رفض التسوية والمخاطرة باستمرار الأزمة، أو الدخول في حكومة تفرض عليه تقاسم السلطة مع الرجل الذي سعى إلى إزاحته.



