بالأرقام: أحدث نتائج الانتخابات الإسرائيلية… نتنياهو بلا أكثرية والعرب يقلبون الموازين!

تتجه إسرائيل نحو أزمة سياسية معقّدة بعدما أظهرت أحدث نتائج فرز الانتخابات التشريعية، الخميس 29 تشرين الأول، استمرار عجز معسكر رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو عن بلوغ الأكثرية اللازمة لتشكيل الحكومة، في مقابل تقدّم غير مسبوق للأحزاب العربية التي باتت تمتلك كتلة برلمانية مؤثرة في حسابات المرحلة المقبلة.

وبحسب أحدث تحديثات صحيفة يدعوت احرونوت، فقد أُنجز فرز 98.6% من مراكز الاقتراع العادية، مع احتساب نحو 91.7% من مجموع الأصوات في المرحلة التي تناولها التحديث، فيما استمر فرز المظاريف المزدوجة التي تشمل أصوات العسكريين وفئات أخرى.

وأظهرت النتائج المرحلية حصول معسكر نتنياهو على 53 مقعداً، مقابل 48 مقعداً لمعسكر التغيير بقيادة غادي آيزنكوت، فيما حصدت القائمتان العربيتان 19 مقعداً من أصل 120 في الكنيست.

وتعني هذه الأرقام أن نتنياهو لا يزال بحاجة إلى ثمانية مقاعد إضافية للوصول إلى عتبة الأكثرية البالغة 61 مقعداً، بينما يحتاج معسكر آيزنكوت إلى 13 مقعداً إضافياً. وفي المقابل، يمكن للأحزاب العربية، في حال التوصل إلى تفاهم سياسي مع معسكر التغيير، أن تؤدي دوراً حاسماً في تحديد هوية الحكومة أو في توفير دعم برلماني لها.

وتُظهر خريطة المقاعد التفصيلية التي نشرتها يدعوت احرونوت حصول حزب الليكود بزعامة نتنياهو على 26 مقعداً، مقابل 21 مقعداً لحزب “يشار!” بقيادة آيزنكوت، و12 مقعداً لتحالف “معاً”، و11 مقعداً للقائمة العربية المشتركة.

وحصل حزب الديمقراطيين على ثمانية مقاعد، والقائمة العربية الموحدة “راعم” على ثمانية أيضاً، فيما نالت أحزاب إسرائيل بيتنا، ويهدوت هتوراه، وشاس، والقوة اليهودية سبعة مقاعد لكل منها، مقابل ستة مقاعد لتحالف الصهيونية الدينية و”زهوت”.

وبهذه الحصيلة، يتوزع معسكر نتنياهو بين الليكود بـ26 مقعداً، وشاس بسبعة، ويهدوت هتوراه بسبعة، والقوة اليهودية بسبعة، والصهيونية الدينية بستة، ليبلغ المجموع 53 مقعداً.

أما معسكر التغيير، فيضم حزب آيزنكوت بـ21 مقعداً، وتحالف “معاً” بـ12، والديمقراطيين بثمانية، وإسرائيل بيتنا بسبعة، بمجموع 48 مقعداً.

وتكمن المفاجأة الأبرز في الحضور العربي، إذ ارتفعت حصة القائمتين العربيتين إلى 19 مقعداً، بعدما أدّت المشاركة الانتخابية المرتفعة في البلدات العربية إلى تغيير التوازن البرلماني.

وشهد توزيع المقاعد بين القائمتين العربيتين تعديلاً خلال الفرز، إذ ارتفعت حصة “راعم” بقيادة منصور عباس إلى ثمانية مقاعد على حساب القائمة المشتركة التي تراجعت إلى 11 مقعداً، من دون أن يتغير مجموع المقاعد العربية.

غير أن هذه الأرقام لا تزال مرحلية، لأن استكمال فرز المظاريف المزدوجة قد يؤدي إلى تعديلات إضافية في توزيع المقاعد، ولا سيما بين الأحزاب المتقاربة في عدد الأصوات.

وتحظى هذه المظاريف بأهمية خاصة، إذ تضم أصوات الجنود وأفراد الأجهزة الأمنية والفئات التي أدلت بأصواتها خارج مراكز الاقتراع العادية، إضافة إلى ناخبين في المستشفيات والسجون والبعثات الدبلوماسية.

وبحسب البيانات التي أوردتها يدعوت احرونوت في إحدى مراحل الفرز، تقدّم الليكود في عينة من المظاريف المزدوجة بنسبة 18.5%، فيما سجلت أحزاب أخرى نسباً متفاوتة، بينها تحالف “معاً” وحزب آيزنكوت والصهيونية الدينية والقوة اليهودية.

لكن هذه النسب تتعلق بالأصوات التي كانت قد فُرزت في تلك المرحلة، ولا يجوز اعتبارها تمثيلاً نهائياً لجميع المظاريف المزدوجة.

وتبرز أهمية هذه الأصوات أيضاً بالنسبة إلى القوائم التي لم تتجاوز نسبة الحسم البالغة 3.25%، إذ إن انتقال أحد الأحزاب الصغيرة إلى داخل الكنيست قد يؤدي إلى إعادة توزيع المقاعد بين الكتل الأخرى.

ومن بين الأحزاب التي بقيت دون العتبة الانتخابية حزب الاحتياطيين والاقتصاديين، إلى جانب قوائم أخرى لم تحصل على النسبة المطلوبة.

وفي موازاة الفرز، بدأت الاتصالات السياسية بين المعسكرات المختلفة، وسط غياب مسار واضح لتشكيل الحكومة.

فقد أجرى نتنياهو اتصالات مع حلفائه، وفي مقدمهم إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش، فيما أبدت الأحزاب الحريدية خشيتها من احتمال التوصل إلى صيغة حكومة وحدة وطنية تؤدي إلى استبعادها.

وعلى الضفة المقابلة، شرع معسكر آيزنكوت في استكشاف إمكان التفاهم على خطوات برلمانية مشتركة، بينها استبدال رئيس الكنيست أمير أوحانا، وهي خطوة تتطلب التعاون مع النواب العرب أو تأمين دعمهم.

وتكمن العقدة السياسية في أن عدداً من الأحزاب الإسرائيلية يرفض المشاركة في حكومة تعتمد على القوائم العربية، رغم أن الحسابات العددية تجعل الوصول إلى الأكثرية أكثر تعقيداً من دون تفاهمات تتجاوز التحالفات التقليدية.

وقد جدد رئيس حزب إسرائيل بيتنا أفيغدور ليبرمان رفضه الانضمام إلى حكومة برئاسة نتنياهو أو المشاركة في ترتيب يعتمد على القائمة العربية المشتركة، ما يزيد صعوبة تحويل المقاعد التي يمتلكها معسكر التغيير إلى أكثرية حكومية فعلية.

وزاد المشهد تعقيداً فتح الشاباك تحقيقاً في شبهات تدخل أجنبي في العملية الانتخابية، وسط اتهامات سياسية تتعلق بتمويل نشاط انتخابي داخل المجتمع العربي، وهي اتهامات لم تُثبت حتى الآن.

وسارع الليكود إلى استخدام التحقيق للطعن في شرعية أي تعاون حكومي مع الأحزاب العربية، فيما حذّر آيزنكوت من استغلال الملف لتعطيل المسار الدستوري وانعقاد الكنيست الجديد.

وتواجه إسرائيل بذلك معادلة غير مألوفة: معسكر نتنياهو يمتلك الكتلة الأكبر بين المعسكرين، لكنه لا يملك الأكثرية، ومعسكر آيزنكوت يستطيع حسابياً تجاوز عتبة 61 مقعداً إذا حصل على دعم عربي كافٍ، لكنه يواجه خلافات سياسية بشأن طبيعة هذا التعاون.

وإذا تعذّر التوصل إلى ائتلاف يحظى بثقة الكنيست، فقد تدخل إسرائيل مرحلة طويلة من المفاوضات السياسية ومحاولات تشكيل الحكومة، مع بقاء احتمال العودة إلى انتخابات جديدة قائماً وفق المسارات الدستورية.

وتنعكس هذه الأزمة على الملفات الأمنية والإقليمية، بما فيها الحرب المحتملة مع إيران والجبهة اللبنانية، إذ تتزامن المفاوضات الحكومية مع مرحلة تشهد استعدادات عسكرية وتوترات متصاعدة في المنطقة.

لكن استمرار الأزمة الحكومية لا يعني بالضرورة توقف القرارات العسكرية الإسرائيلية، ولا يجوز استنتاج تغيّر السياسة تجاه لبنان قبل صدور قرارات أو مواقف رسمية.

وبانتظار اكتمال الفرز وإعلان النتائج النهائية، تبقى الحقيقة السياسية الأبرز أن الانتخابات لم تمنح نتنياهو تفويضاً برلمانياً كافياً لتشكيل حكومة منفرداً، ولم تمنح خصومه أكثرية حكومية مضمونة، فيما تحوّلت المقاعد العربية التسعة عشر إلى أحد أبرز مفاتيح التوازن داخل الكنيست الجديد.

وبحسب نتائج الفرز الأولية، حصل معسكر نتنياهو على 53 مقعداً، مقابل 48 لمعسكر غادي آيزنكوت، فيما حصدت الأحزاب العربية 19 مقعداً من أصل 120، ما يجعل تشكيل الحكومة مرهوناً بمفاوضات قد تطول، وربما تنتهي إلى حكومة وحدة أو انتخابات جديدة.

وفي هذه الأثناء، قد يستمر نتنياهو في رئاسة حكومة انتقالية، من دون أن يفقد تلقائياً صلاحياته التنفيذية والأمنية. وهنا تكمن المفارقة: فغياب الأكثرية البرلمانية لا يعني بالضرورة فقدان القدرة على اتخاذ قرارات عسكرية كبرى، بما فيها تلك المتعلقة بالجبهة اللبنانية.

فماذا يقول القانون الإسرائيلي؟

تنص المادة 40 من القانون الأساسي للحكومة على أن قرار بدء الحرب، أو تنفيذ عملية عسكرية كبيرة يُرجّح بدرجة تقارب اليقين أن تؤدي إليها، يعود إلى الحكومة، مع إمكان تفويض الصلاحية إلى المجلس الوزاري المصغر للشؤون السياسية والأمنية، المعروف بـ”الكابينت”، وفق شروط محددة.

وبالتالي، لا يستطيع رئيس الوزراء إعلان الحرب منفرداً، كما لا يملك الجيش صلاحية مستقلة لفتح مواجهة واسعة. لكن القانون يسمح بتنفيذ العمليات العسكرية الضرورية للدفاع عن الدولة وأمنها، ما يترك هامشاً للتحرك العملياتي من دون اعتبار كل عملية إعلاناً جديداً للحرب.

كذلك، تحتفظ الحكومة الانتقالية بصلاحياتها إلى حين تشكيل حكومة جديدة، وإن كانت تخضع لمبدأ ضبط النفس في القرارات الكبرى غير الملحّة. وهذا يعني أن ضعف الغطاء البرلماني لا يشكّل مانعاً قانونياً تلقائياً أمام اتخاذ قرارات عسكرية، خصوصاً عندما تُطرح تحت عنوان الأمن القومي أو مواجهة تهديد مباشر.

وبالنسبة إلى لبنان، تكمن حساسية هذه المعادلة في أن العمليات الإسرائيلية على الجبهة الجنوبية قد تستمر أو تتوسع بينما تنشغل الأحزاب بتشكيل الحكومة. فالمؤسسة العسكرية والأجهزة الاستخبارية تواصل عملها وتقديم تقديراتها وخططها، فيما يبقى القرار السياسي النهائي بيد الجهات المخوّلة قانوناً.

وتزداد المخاطر مع ارتباط الجبهة اللبنانية بالملف الإيراني. فإذا اندلعت مواجهة أميركية إسرائيلية جديدة مع طهران، ستجد القيادة الإسرائيلية نفسها أمام حسابات تتعلق باحتمال تدخل حزب الله، ومستوى التهديد على الحدود الشمالية، وكلفة فتح جبهة إضافية. وقد تدفع هذه التقديرات نحو تعزيز الجاهزية أو تنفيذ عمليات عسكرية، من دون أن يعني ذلك وجود قرار مسبق بشن حرب شاملة.

في المقابل، قد يقيّد المأزق الحكومي نتنياهو سياسياً، إذ يمكن لأي حرب طويلة أو تعبئة واسعة للاحتياط أو خسائر اقتصادية كبيرة أن تتحول إلى مواجهة داخلية حادة. كما يستطيع الكنيست الجديد ممارسة الرقابة والضغط على الحكومة، وإن كان لا يمتلك سلطة مباشرة لإدارة العمليات العسكرية.

لكن هل يمكن أن تتحول الحرب إلى مخرج من الأزمة السياسية؟

لا تتوافر معطيات موثوقة تثبت أن نتنياهو يعتزم استخدام التصعيد ضد لبنان لمعالجة مأزقه الحكومي. ومع ذلك، فإن تزامن الأزمة السياسية مع التوتر الإقليمي يفرض مراقبة العلاقة بين الحسابات العسكرية والتوازنات الداخلية، خصوصاً أن أي مواجهة قد تعيد ترتيب التحالفات والأولويات داخل الكنيست، أو تزيد الضغوط على الحكومة القائمة.

ويبقى الخطر الأكبر على لبنان احتمال الانتقال من عمليات محدودة إلى تصعيد واسع نتيجة سوء التقدير، ولا سيما إذا تداخلت التطورات على الحدود الجنوبية مع مواجهة إقليمية تشمل إيران.

لذلك، لا تكفي متابعة مفاوضات تشكيل الحكومة الإسرائيلية لتقدير احتمالات الحرب، بل ينبغي مراقبة القرارات العسكرية الرسمية، والتغييرات في الانتشار والجاهزية، وطبيعة العمليات الميدانية، والمواقف الأميركية والإيرانية، بحثاً عن مؤشرات فعلية إلى الانتقال من التهديد إلى التنفيذ.

والخلاصة أن إسرائيل قد تبقى بلا حكومة جديدة تتمتع بأكثرية مستقرة، لكنها لن تكون بلا سلطة تنفيذية أو قيادة عسكرية. فنتنياهو يستطيع مواصلة إدارة الملفات الأمنية ضمن الصلاحيات والقيود القانونية للحكومة الانتقالية.

أما بالنسبة إلى لبنان، فإن غياب الأكثرية في الكنيست لا يعني غياب القدرة على شن الحرب. والسؤال الأخطر ليس من سيحكم إسرائيل بعد الانتخابات، بل ما الذي قد تقرره الحكومة القائمة قبل انتهاء أزمة تشكيل السلطة الجديدة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى