تلفزيون لبنان يفتح صفحة جديدة من التحديث والتطوير… استراتيجية للمستقبل وشاشة لكل اللبنانيين

 

كتب الاعلامي جورج الياس معلولي

من الحازمية، وبحضور رسمي ودبلوماسي، عرض تلفزيون لبنان حصيلة عام من العمل وخطته للمرحلة المقبلة، في مسار يجمع بين تحديث التجهيزات، وتطوير البرامج، وتحسين أوضاع الموظفين، واستعادة دور الشاشة الوطنية.

لم يكن اللقاء السنوي الذي شهده مبنى تلفزيون لبنان في الحازمية، قبل ظهر الخميس 29 تشرين الأول 2026، مجرّد مناسبة لاستعراض الإنجازات، بل شكّل محطة لتقديم صورة عن مسار التغيير الذي تسعى المؤسسة الوطنية إلى ترسيخه، بعد سنوات من التحديات التي أثّرت في إمكاناتها وحضورها.

اللقاء، الذي أُقيم برعاية رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون، وحضره وزير الإعلام المحامي الدكتور بول مرقص ممثّلًا رئيس الجمهورية، إلى جانب سفراء ووزراء وشخصيات رسمية وإعلامية، شكّل مناسبة لعرض ما أُنجز خلال عام، وما يُحضَّر له في المرحلة المقبلة.

واستُهلّ اللقاء بتقرير مصوّر عرض أبرز الإنجازات التي تحققت خلال السنة الماضية، والتطور الذي شهده تلفزيون لبنان على المستويات الإدارية والتقنية والإنتاجية، في إطار استراتيجية تهدف إلى إعادة تفعيل المؤسسة وتحديث أدواتها، بما يواكب التحولات المتسارعة في عالم الإعلام.

إليسار نداف: التطوير يبدأ من الإنسان ولا ينتهي عند الشاشة

واستعرضت رئيسة مجلس الإدارة والمديرة العامة لتلفزيون لبنان، الدكتورة إليسار نداف، مع وزير الإعلام المحامي الدكتور بول مرقص، الاتفاقيات التي أُبرمت خلال السنة الماضية، وأوجه التعاون مع الجهات الداعمة، إضافة إلى الهبات التي ساهمت في تطوير الإمكانات التقنية والمادية للمؤسسة.

ولم يقتصر عرض الخطة على التجهيزات والاستوديوهات، بل شمل الجانب الإداري والإنساني، من خلال الجهود المبذولة لتحسين أوضاع الموظفين، والعمل على تسديد الديون ومعالجة التراكمات المالية، بما يساعد على توفير بيئة أكثر استقرارًا للعاملين، ويمنح المؤسسة قدرة أكبر على مواصلة الإنتاج والتطوير.

فالتلفزيون، مهما بلغت حداثة معداته، لا يستطيع أن ينهض من دون كوادر تؤمن برسالته، ومن دون إدارة قادرة على تحويل الخطط إلى نتائج ملموسة. ومن هنا تبرز أهمية ربط التطوير التقني بتحسين الواقع الوظيفي، وتأمين شروط العمل التي تسمح للموظفين باستعادة دورهم وطاقاتهم.

استراتيجية جديدة وبرامج تواكب تطلعات اللبنانيين

وشكّل تطوير المحتوى التلفزيوني محورًا أساسيًا في اللقاء، مع التوجه نحو إنتاج برامج جديدة تلامس اهتمامات اللبنانيين، وتستجيب لتطلعات الشباب، وتفتح المجال أمام أفكار وأساليب إعلامية أكثر قربًا من الجمهور.

فالرهان لا يقتصر على تحديث الصورة والصوت، بل يتصل أيضًا بما تقدّمه الشاشة من معرفة وثقافة وحوار، وبقدرتها على مواكبة قضايا المجتمع، ومنح الأجيال الجديدة مساحة للتعبير والمشاركة.

وفي هذا السياق، برز التأكيد على أن يكون تلفزيون لبنان شاشة عامة بحق، تستقبل الضيوف من مختلف الأطياف اللبنانية، وتتيح مساحة للحوار والتعددية، بما ينسجم مع طبيعة لبنان المتنوعة ودور الإعلام الوطني في جمع اللبنانيين حول قضاياهم المشتركة.

وتخللت اللقاء كلمات لأعضاء مجلس الإدارة، تناولت الاستراتيجية الموضوعة وأهدافها، والخطوات العملية الرامية إلى تطوير أداء المؤسسة وتعزيز حضورها في المشهد الإعلامي اللبناني.

الذكاء الاصطناعي يدخل إلى تجربة تلفزيون لبنان

ومن المحطات اللافتة في اللقاء، بعد مقدمة الندوة، فتح حوار تفاعلي مع شخصية إعلامية افتراضية تعمل بتقنية الذكاء الاصطناعي، في تجربة عكست التوجّه نحو مواكبة التحولات التكنولوجية في صناعة الإعلام.

وقدّمت مقدمة الحفل هذه الشخصية، التي تؤدي دور مراسلة إخبارية افتراضية، ودارت بينهما محاورة كشفت عن الإمكانات التي يمكن أن تتيحها تقنيات الذكاء الاصطناعي في العمل التلفزيوني، ولا سيما في تقديم الأخبار والتواصل مع المشاهدين.

وهذه الشخصية من إنتاج شركة سعودية قدّمتها إلى تلفزيون لبنان لتكون مراسلة ضمن نشرات الأخبار، في خطوة تفتح المجال أمام تجربة جديدة تجمع بين التكنولوجيا والعمل الإعلامي.

وتكتسب هذه المبادرة أهميتها من كونها تضع تلفزيون لبنان أمام فرص جديدة لتطوير أدواته وأساليبه، في زمن لم يعد فيه الذكاء الاصطناعي مجرّد فكرة مستقبلية، بل أصبح جزءًا من التحولات التي يشهدها الإعلام عالميًا.

ويبقى التحدي في توظيف هذه التقنيات بصورة مهنية ومسؤولة، بحيث تكون أداة لتطوير العمل الصحافي وتعزيز قدراته، مع الحفاظ على المصداقية والدقة والدور الإنساني للإعلامي. فالتكنولوجيا يمكن أن تمنح المؤسسة إمكانات جديدة، لكن نجاحها الحقيقي يبقى مرتبطًا بحسن استخدامها وبالمضمون الذي تقدّمه للمشاهد.

استوديوهات الحازمية… من التجهيز إلى الإنتاج

وكانت الجولة في استوديوهات تلفزيون لبنان في الحازمية من أبرز محطات اللقاء، إذ أُتيح للحاضرين الاطلاع على الاستوديوهات التي جرى تجهيزها وتحديثها، في إطار ورشة العمل التي تهدف إلى إعادة تنشيط الإنتاج التلفزيوني.

وقد بدأ الإعلامي وليد عبود تقديم برنامجه من أحد هذه الاستوديوهات، على أن تلحق به برامج جديدة، في خطوة تعكس الانتقال من مرحلة الإعداد والتجهيز إلى مرحلة توسيع الإنتاج وتفعيل الشاشة.

ويكتسب هذا التطور أهمية خاصة، لأن الاستوديو الحديث لا يمثل مجرد مساحة تقنية، بل يشكّل فرصة لإطلاق أفكار جديدة، واستقطاب الكفاءات، وإعادة بناء علاقة متجددة بين التلفزيون وجمهوره.

إليسار نداف وبول مرقص… مرحلة تستحق أن تُسجَّل في تاريخ التلفزيون الوطني

ومن الإنصاف، عند قراءة المشهد الذي عكسه اللقاء، التوقف عند الجهود التي تبذلها رئيسة مجلس الإدارة والمديرة العامة لتلفزيون لبنان، الدكتورة إليسار نداف، في متابعة ورشة التطوير، والعمل على نقل المؤسسة من مرحلة التحديات المتراكمة إلى مرحلة أكثر انفتاحًا على التحديث والإنتاج والشراكات.

كما يستحق وزير الإعلام المحامي الدكتور بول مرقص الإشادة بجهوده في دعم مسار النهوض بالمؤسسة ومواكبة خطواتها التطويرية، في إطار مسؤولية مشتركة تتطلب رؤية واضحة، ومتابعة مستمرة، وتعاونًا بين الإدارة والوزارة والجهات الداعمة.

وإذا استمرت هذه الورشة بالزخم نفسه، وتحولت الخطط إلى إنجازات راسخة ومستدامة، فإن التاريخ قد يسجّل أن عهد الوزير بول مرقص ورئاسة الدكتورة إليسار نداف شكّلا محطة استثنائية في مسيرة تلفزيون لبنان، بما شهدته المؤسسة من تحديث تقني، وتطوير في البنية الإنتاجية، وانفتاح على التكنولوجيا الحديثة، وسعي إلى إطلاق برامج جديدة وتحسين واقع العاملين فيها.

إن الإشادة بهذه الجهود لا تنطلق من مجرّد تعداد الإنجازات، بل من أهمية الرؤية التي تسعى إلى إعادة الاعتبار لمؤسسة وطنية عريقة، وإعطائها فرصة جديدة لاستعادة دورها في المشهد الإعلامي اللبناني. فإعادة بناء مؤسسة بهذا الحجم ليست مهمة سهلة، بل تتطلب متابعة يومية، وتعاونًا مؤسساتيًا، وقدرة على تحويل الخطط إلى نتائج ملموسة يشعر بها الموظف والمشاهد على حد سواء.

وتبقى قيمة هذه المرحلة مرتبطة باستمرارية العمل، وترسيخ الإنجازات، وتطوير البرامج والمضمون، بحيث لا يكون التغيير ظرفيًا، بل مسارًا طويل الأمد يعيد إلى تلفزيون لبنان مكانته ودوره.

من الذاكرة الوطنية إلى إعلام المستقبل

ولا يمكن النظر إلى ورشة التطوير بمعزل عن المكانة التي يحتلها تلفزيون لبنان في الذاكرة الجماعية. فهذا التلفزيون ليس مؤسسة رسمية فحسب، بل جزء من تاريخ البلاد، ومن ذاكرة أجيال تابعت عبر شاشته أحداث لبنان وتحولاته، وأعماله الفنية والثقافية، وأفراحه وأزماته.

وقد شكّل تحديث الاستوديوهات، وتطوير الإمكانات التقنية، والانفتاح على الذكاء الاصطناعي، والعمل على إطلاق برامج جديدة، مؤشرات على محاولة الانتقال بالمؤسسة إلى مرحلة أكثر مواكبة للتحولات الإعلامية، من دون التفريط برسالتها الوطنية.

لكن التحدي الحقيقي يبقى في استمرارية هذه الجهود، وفي قدرة الخطط المعلنة على التحول إلى برامج منتظمة، ومحتوى نوعي، وبيئة عمل أفضل، وحضور فعلي في حياة اللبنانيين اليومية.

في زمن تتنافس فيه الشاشات والمنصات الرقمية على جذب الجمهور، تبقى أمام التلفزيون الوطني فرصة لاستعادة موقعه من خلال إعلام مهني ومتجدد ومسؤول، يحفظ الذاكرة، ويواكب الحاضر، ويمنح المستقبل مساحة أوسع.

إن اللقاء الذي استضافته الحازمية لم يكن مجرد عرض لما تحقق، بل مناسبة للتأمل في ما يمكن أن يصبح عليه تلفزيون لبنان إذا تضافرت الجهود واستمر العمل بالروح نفسها. وبين التجهيزات الجديدة، والبرامج المرتقبة، وتجربة الذكاء الاصطناعي، تبرز فرصة حقيقية لإعادة وصل المؤسسة بجمهورها، ولا سيما الأجيال الشابة.

فتلفزيون لبنان الذي حمل صورة الوطن لعقود، يستحق أن يواصل حملها بروح جديدة، وأن يكون مساحة يلتقي فيها اللبنانيون على اختلافهم، وشاشة تليق بتاريخهم وتطلعاتهم. وإذا كُتب لهذه الورشة أن تستمر وتترسخ نتائجها، فقد يُسجّل التاريخ أن عهد وزير الإعلام المحامي الدكتور بول مرقص ورئاسة الدكتورة إليسار نداف كان من المراحل المفصلية في مسيرة تطوير هذه المؤسسة الوطنية، وفتح آفاق جديدة أمام إعلام لبناني يجمع بين أصالة الرسالة وحداثة الوسيلة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى