الراعي من بكركي: لبنان لا يحتمل حربًا جديدة وتحييده عن صراعات المحاور ضرورة لحماية استقراره

 

احتفل صاحب الغبطة والنيافة البطريرك الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي بالذبيحة الإلهية، صباح اليوم الأحد 8 تشرين الثاني 2026، في كنيسة الصرح البطريركي في بكركي، لمناسبة أحد تجديد البيعة. وعاونه في القداس الإلهي المطران أنطوان عوكر، النائب البطريركي العام في بكركي، والأب فادي تابت، أمين السر العام للبطريركية المارونية، والخوري كميليو مخايل، أمين السر الخاص لصاحب الغبطة.

وبعد تلاوة الإنجيل المقدس، ألقى البطريرك الراعي عظة بعنوان «وكان عيد التجديد» (يو 10: 22)، تناول فيها المعاني الروحية والكنسية لهذا العيد، متوقفًا بصورة خاصة عند الأوضاع الوطنية والتحديات التي يواجهها لبنان، وفي طليعتها مخاطر الحروب الإقليمية، وضرورة تحييده عن صراعات المحاور، واستعادة دور الدولة ومؤسساتها، ومعالجة الأزمات المعيشية والخدماتية. وأكد أن التجديد الحقيقي لا يقتصر على المظاهر والشعارات، بل يبدأ من الإنسان ويمتد إلى الكنيسة والوطن.

الراعي: السلام حاجة وطنية وجودية وتحييد لبنان ضرورة لحماية استقراره

وفي أبرز المواقف الوطنية التي تضمنتها العظة، شدد البطريرك الراعي على أن السلام، فوق كل الحسابات، حاجة وطنية وجودية، مؤكدًا أن لبنان يحتاج إلى سلام ثابت، وألا يبقى أسير احتمال اندلاع حرب جديدة كلما اشتعلت المنطقة.

ورأى أن تحقيق هذا السلام يقتضي دولة تتمسك بقرارها، ومرجعية وطنية واحدة في قضايا الأمن والسلم، ومؤسسات قادرة على حماية الاستقرار، مشددًا على أن أمن اللبنانيين ومستقبلهم لا يجوز أن يبقيا رهينة التطورات الإقليمية والتجاذبات الخارجية.

وفي هذا السياق، أبرز غبطته أهمية تحييد لبنان عن صراعات المحاور والحروب، موضحًا أن الحياد لا يعني الانكفاء عن الحق أو الابتعاد عن المحيط، بل حماية وطن صغير من التحول إلى ساحة دائمة لصراعات الآخرين، وتأكيد دوره مساحةً للقاء والحوار ورسالةً للسلام.

تجديد الدولة يبدأ بإصلاح المؤسسات واستعادة ثقة المواطن

وانطلاقًا من المعنى الروحي لأحد تجديد البيعة، أكد البطريرك الراعي أن التجديد لا يقتصر على الحياة الكنسية، بل ينسحب أيضًا على الحياة الوطنية والدولة ومؤسساتها.

وأشار إلى أن لبنان أحوج ما يكون إلى إصلاح يعيد إلى المؤسسات انتظامها، وإلى القانون هيبته، وإلى الخدمة العامة معناها، وإلى المواطن ثقته بإمكان التغيير نحو الأفضل.

وتوقف عند ما شهده لبنان خلال الأسبوع من انقطاع التيار الكهربائي عن إدارات ومؤسسات ومرافق عامة بسبب مستحقات متراكمة، معتبرًا أن هذه الوقائع تكشف جانبًا واضحًا من الخلل في إدارة المؤسسات وانتظام عملها، بحيث يبقى المواطن، في نهاية المطاف، المتضرر الأكبر من سوء الإدارة.

وشدد على ضرورة اعتماد إصلاحات جدية ومستدامة تعيد إلى المرافق العامة قدرتها على تأمين الخدمات الأساسية، وتضع مصلحة المواطن وكرامته في صلب المسؤولية الوطنية.

النفايات وسلامة الغذاء: صحة المواطن مسؤولية وطنية لا تحتمل الإهمال

وتناول غبطته ملف النفايات والبيئة، مشيرًا إلى أن المشكلة لا تزال تنتقل من مطمر إلى آخر ومن منطقة إلى أخرى، من دون التوصل إلى معالجة جذرية ومستدامة.

وأكد أن الحل الحقيقي يقوم على الفرز والمعالجة وإعادة التدوير وتحمل المسؤولية المشتركة، مشددًا على أن البيئة السليمة حق أساسي للإنسان، وأن حماية الصحة العامة تقتضي الحفاظ على نظافة الأرض والمياه والهواء.

كما توقف عند سلامة الغذاء والصحة العامة، معتبرًا أن حماية المواطن تبدأ من أبسط تفاصيل حياته اليومية، وأن الرقابة والمحاسبة تصبحان ضرورة ملحّة عندما تتعرض صحة الناس للإهمال أو الغش.

ملف ضهر البيدر: احترام مسار التحقيق واستقلالية القضاء

وفي الشأن القضائي، توقف البطريرك الراعي عند ملف ضهر البيدر، مشيرًا إلى دخوله مرحلة قضائية جديدة، وما يقتضيه ذلك من إفساح المجال أمام التحقيق ليأخذ مجراه كاملًا، بعيدًا عن الاستباق والتجاذبات والتوظيف السياسي.

وأكد أهمية احترام المسار القضائي واستقلالية القضاء، باعتبارهما من الركائز الأساسية لإرساء العدالة واستعادة ثقة المواطنين بالمؤسسات، مشددًا على ضرورة ترك القضاء يؤدي دوره وفق الأصول القانونية، بعيدًا عن أي ضغوط أو تدخلات.

القرى الحدودية الجنوبية: صرخة الأهالي في صلب اهتمامات الكنيسة

وتطرق البطريرك الراعي إلى الدورة السنوية لمجلس البطاركة والأساقفة الكاثوليك في لبنان، التي تنعقد هذا الأسبوع، مشيرًا إلى تسلّم المجلس رسالة بعنوان «صرخة من القرى المسيحية الحدودية الخمس في الجنوب»، تتضمن عشرة مطالب ملحّة ومحقة تعبّر عن معاناة الأهالي واحتياجاتهم.

وأكد غبطته أن هذه الصرخة وجدت صداها في ضمائر الرعاة وقلوبهم، وأن مطالب أبناء القرى الحدودية ستحتل حيزًا كبيرًا من مداولات المجلس، انطلاقًا من مسؤولية الكنيسة في الوقوف إلى جانب أبنائها ومتابعة قضاياهم، داعيًا المؤمنين إلى مرافقة أعمال المجلس بصلواتهم.

أحد تجديد البيعة: من تجديد القلب إلى تجديد الكنيسة والمجتمع

وفي البعد الروحي للعظة، أوضح البطريرك الراعي أن الكنيسة المارونية تحتفل بذكرى تجديد الهيكل وتكريسه، غير أن المسيح كشف المعنى الحقيقي للتجديد، الذي لا يقتصر على الحجارة والمظاهر والطقوس، بل يبلغ أعماق الإنسان ويمنحه حياة جديدة.

وأشار إلى أن المسيح جاء ليكشف محبة الآب، ويصالح الإنسان مع الله، ويحرره من الخطيئة، ويفتح أمامه طريق الحياة الأبدية، مؤكدًا أن التجديد الذي حمله المسيح ليس مجرد تعليم أخلاقي، بل حياة جديدة تقوم على الإيمان به والاتحاد معه

وأوضح أن الكنيسة، بوصفها جسد المسيح السري، تحمل رسالة التجديد من خلال ثلاثة أبعاد مترابطة، هي الكنيسة السرّ، والكنيسة الشركة، والكنيسة الرسالة.

وشدد على أن تجديد الكنيسة لا يعني تغيير إيمانها أو التخلي عن تقليدها الرسولي، بل العودة المتواصلة إلى المسيح، وإحياء الأمانة لكلمته، وتعميق الوحدة والمحبة بين أبنائها.

ولفت إلى أن الحياة المسيحية مسيرة تجدد دائمة، فبالتوبة يتجدد القلب، وبالمغفرة تتجدد العلاقات، وبالمصالحة تتجدد الشركة، وبالمحبة تتجدد الحياة.

وفي سياق عظته، وجّه غبطته تحية خاصة إلى رابطة «كروس رود» (درب الصليب)، مشيدًا برسالتها الإنسانية في التضامن مع جرحى الحرب ومتابعة احتياجاتهم الصحية والمعيشية، معتبرًا أن تجربتها تجسد معاني المحبة والوفاء والمصالحة.

دعوة إلى تجديد الوطن وترسيخ ثقافة السلام

وفي ختام عظته، دعا البطريرك الراعي إلى أن يشكل أحد تجديد البيعة مناسبة لتجديد الإيمان والضمائر والمسؤوليات، بحيث ينعكس هذا التجديد على الحياة العامة من خلال احترام القانون، وصون كرامة الإنسان، وتعزيز التضامن، وترسيخ ثقافة السلام والحوار.

وأكد أن لبنان مدعو إلى استعادة دوره ورسالته وطنًا للقاء والعيش المشترك، لا ساحةً لصراعات الآخرين، وأن حماية استقراره تتطلب دولة قوية بمؤسساتها، موحدة في قرارها، وقادرة على صون حقوق مواطنيها وأمنهم ومستقبلهم.

وختم غبطته داعيًا إلى الصلاة كي يجدد الله الجميع بنعمة الخلاص، ويجدد الوطن بجميع مكوناته، رافعًا المجد والشكر إلى الله الآب.

واختُتم القداس الإلهي في أجواء من الصلاة والرجاء، فيما حملت عظة البطريرك الراعي رسالة وطنية تؤكد أن حماية لبنان من الحروب لا تنفصل عن بناء الدولة واستعادة هيبة مؤسساتها، وأن التجديد المنشود يبدأ من الإنسان ليبلغ الوطن، فيتحول الإيمان إلى مسؤولية، والمصالحة إلى وحدة، والإصلاح إلى ممارسة، والسلام إلى خيار وطني ثابت يحفظ لبنان أرضًا وشعبًا ورسالة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى