
تأليف: عاطف علي صالح
دار النشر: دار صوفيا للنشر والتوزيع
سنة النشر: باريس 2024
الملخص الأدبي الشامل:
في ضواحي باريس، حيث تمتد مقبرة “فانف” كرقعة صامتة في قلب مدينةٍ صاخبة، تدور أحداث رواية “حارس أشجار المقبرة”، عملٌ أدبي عميق يتأمل في معنى الموت، والتقاطع بين الأديان، والهوية، والذاكرة، من خلال سردية شاعرية تنسج تفاصيلها بين ظلال القبور وأغصان الأشجار.
في هذا المكان الهانئ للموتئ، يقيم إسحاق أيوب، المهاجر الأسود، للعمل حارس للمقبرة لمدة ثلاثة أشهر لكن سيظل يحرس الموتي لمدة ثلاثين عاما قادمه، متخذًا من نُزل المقبرة مأوى له، حيث ينام ويصحو على صوت الريح وهي تعبث بأشجار السرو والبلوط. بعد قليل من الوقت سيجد نفسه حارسًا للمقبرة، لا ليحميها من الغرباء، بل ليصون صمتها، ويعتني بأشجارها التي تكبر على قبور الموتى كأنها تروي حكاياتهم بصمت.

إلى جانبه تعيش زوجته تمكو، اليابانية القادمة من شمال الأرخبيل الياباني، التي تحمل فلسفة الزِن في خطواتها ونظراتها، تمضي وقتها في التأمل وسقاية النباتات، وكأنها تبحث عن توازن مفقود في هذا المكان الغريب.
أما ابنتهما يوكو التى ولدت في المقبرة، فهي فتاة رقيقة، تمضي وقتها في رسم العصافير والطيور التي تحوم فوق من فوقها، تحلم بالعودة إلى طوكيو، لكنها تبقى في “فانف”، مشدودة إلى صمت والدها، وإلى صدى الحكايات التي لم تكتمل.
لكن أكثر القصص غرابة تبدأ مع وصول سيسيليا، المرأة الأمريكية، التي جاءت إلى المقبرة تحمل شتلة شجرة سنديان، لتنبتها فوق تربة “فانف” تخليدًا لذكرى رجلٍ اختفى منذ سنوات طويلة… رجلٌ كان ذات يوم زوجها.
ذلك الرجل هو جاك مارتا، الجندي الأمريكي الذي حضر إلى فرنسا خلال الحرب العالمية الثانية، لكنه اختفى في نورماندي. بعد سنوات طويلة، يظهر جاك مجددًا في المقبرة، لا أحد يعرفه ولا يتعرف عليه، يعيش على أطراف المقبرة، كأنما صار جزءًا منها، يصادق عصافيرها، يطعمها من يديه، ويراقب الجميع بصمت.
جاك مارتا هو رجل العصافير، يرافقها، يحيا بينها، لا يقترب من الناس، حتى حين حضرت سيسيليا لم يتعرف إليها، ولا هي تعرفت إليه، وكأن الزمن محا ملامحهم المشتركة.
سيسيليا، التي جاءت تغرس شجرتها في القسم الجنوبي من المقبرة حيث تُدفن أرواح أصحاب الحرق والدفن، لا تعلم أن زوجها، الهارب من نفسه ومن ماضيه، يعيش على مقربة منها، ينظر إليها أحيانًا من بعيد، لكن العصافير وحدها تدرك الحكاية.
وفي ظل هذا التوازي بين الغياب والحضور، يأتي رجال الدين الثلاثة، ليكثفوا معنى الصراع والرهق الذي يعيشه المكان:
• الحاخام سيمون بن عيون، رجل قادم من الدار البيضاء، يحمل إرثًا يهوديًا سفارديًا ثقيلًا، يبحث عن خلاص في كل صلاة، ويخشى أن يموت غريبًا بلا دعاء.
• الأب بيار، الكاهن الفرنسي من ليون، الذي وهب حياته للفقراء، لكنه يخشى أن يخونه إيمانه عند أبواب السماء.
• الشيخ دليل تقي الدين، الصوفي التونسي، الذي جاء من القيروان، يحمل كتبه القديمة، ويقرأ الحلاج وابن عربي تحت أشجار المقبرة، يردد وحده أن الله أقرب مما نظن، لكن العيون لا تبصر.
رجال الدين هؤلاء، رغم أنهم يقيمون الصلوات على جميع الموتى، ويترحمون على الأرواح دون تمييز، إلا أن الحذر والخوف ظل يفصل بينهم، لم يجتمعوا يومًا في مجلس واحد، ولم يركبوا المصعد الزجاجي معًا، حتى لو كان السبيل الوحيد إلى السماء.
في أحد المشاهد المفصلية، يقفون أمام المصعد، يتبادلون النظرات المرتابة، وكأن أحدهم يخشى أن يكون الآخر دليلًا إلى ضياع روحه.
الحوار بين رجال الدين:
الأب بيار، يرفع رأسه وينظر إلى السماء الرمادية، يقول بصوت خافت:
“السماء واحدة… أليس كذلك؟”
لكن لا أحد يجيبه.
يتمتم الحاخام سيمون بن عيون، وهو يمرر أصابعه على لحيته البيضاء:
“في الأرض توحدنا الحاجة… أما في السماء، فكلٌ له طريقه.”
يتنهد الشيخ دليل، وعيناه تراقبان المصعد المفتوح:
“كلنا تحت التراب الآن… لكن القلوب لم تُدفن بعد.”
يصمتون طويلًا، ثم يقول الأب بيار، وهو يشير بيده إلى المصعد:
“لماذا لا نصعد معًا؟”
يجيبه سيمون ببطء:
“وإن ضل أحدنا الطريق… هل يقود الباقين معه إلى الهلاك؟”
فيهمس الشيخ دليل:
“أنا أعرف طريقي… ولا أحب أن أُتبع أو أتبع غيري.”
يمضي الحاخام سيمون بخطى مترددة نحو المصعد، يقول وهو يبتعد:
“حتى في موتنا… لم نُدفن معًا. فكيف نصعد معًا؟”
يعود الأب بيار ليقبض على صليبه، بينما يجلس الشيخ دليل القرفصاء، يسحب كتابًا مهترئًا من تحت عباءته، يبدأ في التلاوة.
أما إسحاق، يراقب من بعيد، عاجزًا، يحفر بأصابعه خندقًا صغيرًا في التراب، ويهمس بصوت متعب:
“من يحرس الأشجار… حين تهرب الأرواح كلٌ إلى جهة؟”
رمزية المقبرة وتقسيمها:
المقبرة نفسها انعكاس للانقسام الإنساني الذي لم تستطع الموت أن يتجاوزه:
• الشمال للمسيحيين، حيث ترتفع الصلبان وتتفتح الأزهار البيضاء.
• الشرق للمسلمين، وجوه القبور تواجه مكة، والنخيل اليابس يعلو التلال الصغيرة.
• الغرب لليهود، شواهد القبور تحمل أسماء عائلات ضاعت في الشتات، والحجارة الصغيرة تزين الرؤوس.
• الجنوب لأصحاب الحرق والدفن، الأعشاب العطرية تفوح، وصهاريج الماء تسقي الأشجار، وكأن السلام ممكن هنا أكثر من أي ركن آخر.
ثيمات الرواية:
“حارس أشجار المقبرة” ليست فقط حكاية موتى، بل حكاية الأحياء الذين لم يستطيعوا التصالح مع أنفسهم ولا مع بعضهم. إسحاق يقف في المنتصف، حارسًا للشجر وللذاكرة، لا يملك سلطة على شيء، سوى أن يشهد الانقسام والرهق الأبدي.
سيسيليا وجاك يمثلان قصة النسيان والذاكرة، كلاهما يبحث عن الآخر دون أن يدرك وجوده، فيما العصافير وحدها تحفظ السر.
أما رجال الدين الثلاثة، فهم تجسيد للخوف البشري من الآخر، حتى بعد الموت، حيث الحذر لا يزول، والاختلاف يظل أكبر من المصالحة.
خاتمة الرواية:
حين يغلق المصعد بابه، يظل إسحاق في نُزله داخل المقبرة، يسقي أشجار السنديان التي زرعتها سيسيليا، يحرس عصافير جاك، ويقرأ بصوت خافت أسماء الموتى على شواهد القبور، منتظرًا أن تنتهي المناوبة، أو أن يسقط هو الآخر، ويتحول إلى شجرة أو إلى ذكرى، تُحكى على لسان طائر أو ظلّ.



