
هذه المرة الأولى التي أشارك فيها تجربة مررت بها، تجربة لم تكن عابرة ولا سهلة، بل كانت قاسية في تفاصيلها، عميقة في أثرها، ومليئة بالرسائل التي لا يمكن تجاهلها.
حدثت هذه التجربة قبل ليلة واحدة فقط من عيد الميلاد، في وقت يُفترض أن يكون مفعمًا بالفرح والطمأنينة، لكنها جاءت على عكس كل ما كنا ننتظره. قررت أن أكتب عنها اليوم، ليس بدافع الشكوى أو استدرار التعاطف، بل بدافع الامتنان أولًا، لأن الله كان حاضرًا معنا في كل لحظة، ولأنني أؤمن أن في هذه القصة درسًا إنسانيًا وإيمانيًا عظيمًا يستحق أن يُروى ويُسمع.
لطالما كنت من الأشخاص الذين يفضلون الاحتفاظ بمشاكلهم لأنفسهم، وأؤمن بأن الألم الشخصي شأن خاص لا يُعرض على العلن، وأن الصمت أحيانًا يكون أبلغ من الكلام. لكن هذه القصة تحديدًا، بما حملته من خوف ويأس، ثم رجاء ومعجزة، شعرت أنها أكبر من أن تُحبس في داخلي، وأن مشاركتها قد تكون نورًا أو عزاءً لشخص يمر بتجربة مشابهة، أو تذكيرًا بأن الله لا يترك أبناءه مهما اشتدت العتمة.
بدأت أحداث هذه الرحلة عندما قررنا السفر إلى فرنسا لقضاء عطلة العيد مع أقربائنا، وبشكل خاص مع ابني الذي يدرس في باريس في سنته الجامعية الأولى. كانت فرحتنا كبيرة، فالشوق كان مضاعفًا، واللقاء بعد غياب طويل كان كفيلًا بأن يخفف عناء السفر. لكن منذ اللحظة الأولى، بدت الرحلة وكأنها اختبار للصبر. تأخرت الطائرة عن الإقلاع ست ساعات كاملة، قضيناها في المطار دون نوم أو راحة، نراقب الوقت وهو يمر ببطء شديد. وبدل أن نصل إلى باريس في الصباح كما خُطط، وصلنا في المساء، مرهقين جسديًا ونفسيًا.
رغم ذلك، لم يكن لدينا متسع من الوقت للراحة، إذ كان لدينا قطار محجوز مسبقًا للذهاب إلى مدينة “الهافر”، التي تبعد نحو ساعتين عن العاصمة. ومن هناك، كان من المفترض أن نكمل رحلتنا الطويلة بالسيارة باتجاه جبال الألب لقضاء عطلة الثلج. كانت رحلة مليئة بالتعب، ومع كل كيلومتر كنا نشعر بثقل الإرهاق، لكن الأمل بالعطلة ولمّة العائلة كان يدفعنا للاستمرار.
وبعد ما يقارب أربع عشرة ساعة من السفر المتواصل، وقبل أن نبدأ أخيرًا بالاسترخاء، وقعت الصدمة الكبرى: اكتشفنا أن جوازات سفرنا مفقودة. لحظة لا يمكن وصفها بسهولة. شعور بالشلل، بالذهول، وبالخوف العميق. كنا بعيدين عن العاصمة، وفي مكان لا نعرفه جيدًا، وكل ما نملكه هو حقائبنا التي قلبناها مرارًا وتكرارًا دون أن نعثر على شيء. حاولت أن أتماسك أمام عائلتي، أن أزرع الأمل رغم أن القلق كان ينهش قلبي، وأن أُظهر قوة لم أكن متأكدة من امتلاكها.
زاد الأمر تعقيدًا أن الحادثة وقعت مساء يوم سبت، ويوم الأحد عطلة رسمية في فرنسا، ما جعل التواصل مع أي جهة رسمية شبه مستحيل. بدأنا بالاتصال بالشرطة، وبأصدقاء لنا في باريس، لكن كل المحاولات باءت بالفشل. وفي صباح يوم الاثنين، حاولنا الاتصال بالسفارة اللبنانية في باريس، لكن الهواتف كانت مغلقة. لم أيأس، فاتصلت بالسفير اللبناني شخصيًا، وتركت له رسالة صوتية مليئة بالرجاء، لكن الرد لم يأتِ. في تلك اللحظة، شعرت بمرارة كبيرة، ليس فقط بسبب ضياع الجوازات، بل بسبب الإحساس بالتخلي، وبأننا وحدنا في لحظة ضعف وحاجة.
وسط هذا اليأس، جاء الفرج من حيث لا أحتسب. شخص غريب، لا أعرفه، تواصل معي بعد أن نشرت مشكلتي في أحد الغروبات، وكأن الله أرسله في اللحظة المناسبة. عرض مساعدته، وأخبرني أنه أمّن لنا موعدًا في السفارة اللبنانية في باريس بتاريخ 23 ديسمبر. كان ذلك الاتصال نسمة أمل وسط العاصفة، ورسالة طمأنينة شعرت فيها بأن الله يقول لي: «أنا هنا، لا تخافي».
توجهنا إلى السفارة اللبنانية في باريس، وهناك واجهتنا مفاجأة جديدة: “كارت المرور” (Laissez Passer) الذي تم منحه لنا لا يُستخدم إلا للعودة إلى لبنان فقط. ونحن كنا نخطط للعودة إلى الرياض بعد انتهاء العيد. شعرت وكأن بابًا يُغلق في وجوهنا بعد أن ظننا أنه فُتح. لكننا لم نستسلم، وقررنا التوجه إلى السفارة السعودية في باريس. هناك، أُبلغنا بضرورة العودة إلى لبنان لإصدار جوازات جديدة، وهو أمر بدا معقدًا ومرهقًا نفسيًا ولوجستيًا.
وفي طريق عودتنا إلى المطار، قررنا الاتصال بشركة الطيران، فجاء الرد صادمًا ومربكًا في آن واحد: “يمكنكم السفر إلى الرياض مباشرة.” لم نعد نفهم شيئًا، وكأن كل جهة تقول شيئًا مختلفًا. ومع ذلك، قررنا الذهاب إلى المطار والتحدث مباشرة مع موظفي استقبال شركة الطيران، متسلحين بما تبقى لدينا من أمل.
وهنا، وفي لحظة لا تُنسى، قال لنا الموظف: “لحظة من فضلكم.” دخل إلى غرفة جانبية، ثم عاد… وهو يحمل جوازات سفرنا بين يديه. لم أستوعب المشهد في البداية. بعد أربعة أيام من الخوف والقلق والتيه، كانت جوازاتنا هناك، أمام أعيننا، في مكان لم يخطر ببالنا يومًا.
تلك اللحظة كانت لحظة إيمان خالص. أدركت حينها أن الله قادنا خطوة خطوة، رغم اعتراضنا، ورغم عدم فهمنا، ليعيد لنا ما فقدناه في الوقت والمكان المناسبين. لم تكن مجرد استعادة جوازات، بل استعادة للطمأنينة، وللثقة بأن الله يدبّر أمورنا حتى عندما نظن أن كل الأبواب أُغلقت.
لا أستطيع أن أصف تلك الأيام بأنها كانت مجرد أيام صعبة، بل كانت تجربة روحية عميقة، رحلة إيمانية شعرت فيها بأن الله كان معنا في كل تفصيل، يختبر صبرنا، ويقوّي إيماننا، ويذكرنا بأننا لسنا وحدنا أبدًا. ربما كانت هذه المحنة حماية من أمر أكبر لا نعلمه، وربما كانت رسالة بأن نثق به أكثر، حتى عندما لا نفهم حكمته.
إنها حقًا عجائب ميلاد المسيح، تلك الليلة المباركة التي وُلد فيها المخلّص، حيث يولد الرجاء من قلب الألم، وتحدث المعجزات لأولئك الذين يسلمون قلوبهم لله. هذه التجربة ستبقى محفورة في ذاكرتي، تذكرني دائمًا بأن الله لا يخذل من يلجأ إليه، وأن نوره قادر أن يبدد أقسى لحظات الظلام.



