الإعلامية وفاء آل شمّاء- بين الطرب والضجيج… من يصون الذائقة؟ حين ينقلب الترفيه إلى صخب بلا روح

 

بقلم: الإعلامية وفاء آل شمّاء

لم يعد خافيًا على من يراقب المشهد الفني أن مفهوم الطرب يمرّ بحالة من التشويش والالتباس، حيث تداخل الغناء الحقيقي مع الضجيج، وتراجعت المسافة الفاصلة بين الفن بوصفه إحساسًا ورسالة، وبين استعراض صوتي خالٍ من المعنى. ففي عدد غير قليل من الصالات والمساحات الترفيهية، لم يعد المتلقي يلتقي بأداء متقن أو إحساس صادق، بل يُواجه صراخًا متواصلًا، وإيقاعات صاخبة، ومظاهر مبالغ فيها تُقدَّم تحت مسمّى الفن.

الأكثر إثارة للقلق أن هذه المنصات تحوّلت إلى بوابة سهلة لعبور أنصاف الموهوبين، ممن لم يشقّوا طريقهم عبر دراسة أو اجتهاد فني، بل عبر رفع الصوت، وفرض الحضور، والاعتماد على إبهار لحظي سرعان ما يخبو. وكأن امتلاك الميكروفون بات كافيًا لمنح لقب “مطرب”، وكأن الصراخ أصبح معيار القبول.

ولا يمكن عزل هذا المشهد عن تراجع الذائقة العامة؛ فالجمهور شريك أساسي في صناعة النجومية. وعندما يُكافئ الضجيج بالتصفيق، ويتسامح مع الرداءة، فإن السوق يستجيب تلقائيًا، فيصعد من لا يستحق، بينما يُدفع الفن الجاد إلى الهامش.

ومع ذلك، لا تقع المسؤولية على الجمهور وحده. فالمشهد الترفيهي اليوم بحاجة إلى تنظيم واعٍ وانتقاء مدروس، لا إلى فتح المنصات بلا ضوابط. وهنا يبرز دور الجهات المعنية بالترفيه، ليس من حيث عدد الفعاليات فقط، بل من حيث مستوى ما يُقدَّم. فليست كل منصة مناسبة لكل صوت، وليس كل من أحدث ضجيجًا أو جمع جمهورًا عابرًا مؤهلًا لحمل صفة “مطرب”.

إن التراخيص الفنية يجب أن تكون خط الدفاع الأول عن الفن والذائقة، لا مجرد إجراء شكلي، وأن تُمنح وفق معايير واضحة تشمل: جودة الصوت، قوة الأداء، الالتزام، واحترام الذوق العام. فالفن ليس موجة عابرة من الصخب، بل هو هوية ورسالة وذاكرة جماعية.

التجديد حق مشروع، والأنماط الحديثة لها مكانها الطبيعي، لكن ذلك لا يبرر التساهل مع الرداءة أو تمرير الفوضى تحت شعار الترفيه. فعندما يغيب الميزان، تختلط الأصوات، ويضيع الطرب بين إيقاعات مرتفعة وإحساس مفقود.

ويبقى السؤال مفتوحًا: هل نطمح إلى مشهد ترفيهي يعكس ذائقة راقية، أم نكتفي بضجيج صاخب يملأ المكان ويترك المعنى فارغًا؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى