
حين يصبح الزمن أخطر من الصواريخ
في الحسابات العسكرية التقليدية تُقاس الحروب بعدد الطائرات وحجم الأساطيل وقوة الصواريخ.
لكن في المواجهة الدائرة اليوم حول إيران، يبدو أن العامل الأكثر خطورة ليس السلاح… بل الزمن.
فالولايات المتحدة تمتلك شبكة واسعة من القواعد والقوات في الشرق الأوسط، تمتد من الخليج إلى شرق المتوسط والمحيط الهندي. قوة بحرية وجوية وبرية هائلة قادرة على توجيه ضربات دقيقة وسريعة.
لكن في المقابل تقف إيران بجغرافيا معقدة، وتاريخ طويل في خوض الحروب غير المتكافئة، وجبال شاهقة، ومساحات واسعة، وعمق بشري قادر على القتال طويل النفس.
وهنا تظهر الحقيقة التي تخيف صناع القرار أكثر من أي صاروخ:
الحروب الطويلة لا تُحسم بالقوة وحدها، بل بالقدرة على الاحتمال.
في مثل هذا السيناريو، لن يكون هدف روسيا أو الصين تحقيق انتصار سريع لطهران. بل على العكس، قد يكون الهدف الحقيقي هو إطالة أمد الحرب قدر الإمكان.
فكل يوم إضافي من القتال يعني استنزافاً أكبر للقوة العسكرية والاقتصادية الأمريكية، ويمنح الخصوم الاستراتيجيين لواشنطن فرصة تاريخية لإعادة تشكيل ميزان القوى العالمي.
وهنا يبرز السؤال الأخطر، السؤال الذي لا تستطيع أي غرفة عمليات أن تجيب عنه بدقة:
ماذا لو صمدت إيران للضربات الأميريكية – الاسرائيلية… ولم يسقط النظام؟
عندها ستتحول الحرب من عملية عسكرية محدودة إلى حرب استنزاف طويلة.
وهذا النوع من الحروب هو الذي أنهك الإمبراطوريات عبر التاريخ.
فالإمبراطوريات نادراً ما تنهار في الضربات الأولى.
لكنها كثيراً ما تضعف حين تضطر للبقاء في حرب طويلة خارج حدودها.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي داخل مراكز القرار في واشنطن ليس:
هل يمكن بدء الحرب؟
بل السؤال الأخطر:
هل يمكن إنهاؤها؟
فإذا طال أمد المواجهة، قد تتحول المنطقة إلى مستنقع استراتيجي جديد. مستنقع يفرض على الولايات المتحدة إعادة النظر في وجودها العسكري الواسع في الشرق الأوسط. والتاريخ يعلمنا أن الخروج من المناطق الحيوية للطاقة والتجارة غالباً ما يكون بداية تراجع النفوذ الإمبراطوري.
إن الوهم الكبير: من يعتقد أن الحرب لن تمسه، هناك من يعتقد أن حرباً كهذه إن وقعت ستبقى بعيدة عنه، وأنها لن تمس حياته اليومية ولا مائدة طعامه.
لكن هذا الاعتقاد يتجاهل واحدة من أهم الحقائق الجيوسياسية في العالم: مضيق هرمز.
هذا المضيق الضيق الذي يربط الخليج العربي بالمحيط الهندي ليس مجرد ممر بحري.
إنه أهم نقطة اختناق للطاقة في العالم.
الأرقام وحدها تكفي لفهم الصورة:
• يمر عبر المضيق يومياً نحو 20 مليون برميل من النفط والمكثفات، أي ما يقارب خُمس الاستهلاك العالمي من النفط.
• كما يعبر عبره نحو خمس تجارة الغاز الطبيعي المسال في العالم.
• وهو الطريق الرئيسي لصادرات الطاقة من السعودية والعراق والكويت والإمارات وقطر.
بمعنى بسيط:
هذه المياه الضيقة تحمل على ظهرها الاقتصاد الصناعي العالمي.
آسيا في قلب المعادلة، نحو 80 إلى 85 في المئة من النفط الذي يعبر مضيق هرمز يتجه إلى آسيا، خاصة إلى الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية.
أي أن أي اضطراب كبير في هذا الممر سيصيب مباشرة اقتصادات يعيش فيها نحو ثلاثة مليارات إنسان.
وعندما يتعرض غذاء هؤلاء وطاقة مصانعهم للخطر، فمن الطبيعي أن يتحولوا هم أيضاً إلى طرف في الأزمة – اقتصادياً أو سياسياً أو حتى استراتيجياً.
فالمضيق ليس مجرد ممر بحري، بل الرئة التي يتنفس منها اقتصاد الخليج.
وإغلاقه حتى مؤقتاً يعني عملياً:
• اختناق صادرات الطاقة.
• ارتفاعاً حاداً في أسعار النفط والغاز.
• صدمة اقتصادية في الأسواق العالمية.
ولهذا ينظر العالم اليوم إلى هذه المياه الصغيرة باعتبارها أخطر عقدة جيوسياسية للطاقة على وجه الأرض.
الاقتصاد العالمي… شبكة واحدة..لكن تأثير الحرب لن يتوقف عند النفط.
فالشرق الأوسط جزء من شبكة اقتصادية عالمية مترابطة:
• الصين والولايات المتحدة وألمانيا من أكبر مصدري السلع إلى المنطقة.
• وتشمل الصادرات الآلات والمعدات والسيارات والمواد الصناعية.
• كما أن دول الخليج تستورد ما بين 80 و85 في المئة من غذائها من الخارج.
أي أن أي اضطراب طويل في الممرات البحرية أو الاستقرار السياسي سيؤدي إلى:
• تعطيل التجارة العالمية.
• اضطراب سلاسل التوريد.
• ارتفاع أسعار الغذاء والطاقة.
وهنا لا نتحدث عن الكماليات، بل عن أساسيات الحياة اليومية.
كلفة الحرب التي لا تُحسب، ولو اندلعت حرب واسعة في الخليج، فلن تكون مجرد مواجهة عسكرية.
بل ستكون سلسلة من الصدمات المتلاحقة:
• تدمير واسع للبنية التحتية في مناطق الصراع.
• تكاليف عسكرية قد تصل إلى مئات المليارات أو حتى تريليونات الدولارات إذا طال أمد الحرب.
• أضرار بيئية وصحية طويلة الأمد بسبب التلوث والحرق النفطي والتفجيرات.
• توقف الاستثمارات الإقليمية والدولية.
• تعطل قطاعات صناعية وتجارية واسعة.
• انهيار السياحة فور اندلاع القتال.
ولعل ما حدث في حرائق آبار النفط الكويتية عام 1991 يعطي فكرة صغيرة فقط عن حجم الكارثة الممكنة.
لكن حرباً واسعة في الخليج قد تكون أكبر بكثير من ذلك بكثير.
السياسيون يستطيعون الحديث بسهولة عن بداية الحرب.
لكن لا أحد يستطيع أن يتنبأ بدقة بمسارها أو نهايتها.
وفي عالم مترابط اقتصادياً وطاقوياً مثل عالمنا اليوم، لا يمكن لأي دولة أن تعتقد أنها معزولة عن النتائج.
ففي النهاية، الحقيقة بسيطة وقاسية:
الحروب الكبرى لا تبقى محلية.
حين تشتعل النار في الخليج
لن تحترق منطقة واحدة فقط…
بل قد يشتعل العالم كله على أطرافها.



